فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 254

وإنما الذي أوتي هذا كلُّه هو الإنسان، فإذا أهمل هذه النعم، ولم يقم بشكرها، ونسي رسالته، وعاش لبطنه، وفرجه، وشهوته، كما تعيش الدواب، كان - بلا ريب - أضل منها سبيلا.

ومن الناس من لا هدف له في الحياة إلا إذلال الناس، والإضرار بهم، والكيد لهم، كأن رسالته التي خلق لها هي الإفساد في أرض الله، والعدوان على خلق الله.

استحالت نعم الله في يديه إلى سياط للإيذاء، وأسلحة للفتك، وآلات للتدمير.

هذا الصنف كالذي قبله، يعيش لدنياه العاجلة ولأنانيته البشعة، ولكن يفترقان في المزاج فقط.

فإذا كان اتجاه الصنف الأول أنانيا شهوانيا، فهذا ترى اتجاهه أنانيا عدوانيا.

الصنف الأول فَقَدَ خصيصة الإنسان، واستحال إلى حيوان، وهذا الصنف فَقَد كذلك خصيصة الإنسان، ولكنه استحال إلى شيطان.

فالشيطان لا همّ له إلا الإفساد والكيد والتضليل والإغواء. وهذا الصنف هو الذي لعنه الله وذمّه في كتابه بقوله: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25] .

هذا الصنف إذا تمكن من رقاب البشر يوما ما بولاية أو رياسة أو نفوذ، وجدته نمرودا كنمرود إبراهيم، يقول: {أَنَا أَحْيِيْ وَأُمِيْتُ} كما يحيي الله ويميت! أو فرعونا كفرعون موسى: يذبح الأبناء، ويستذل النساء! أو طاغية كثيرون؛ روما أو غيره من جبابرة التاريخ.

فإذا لم يكن له سلطان نمرود ولا فرعون، كان طاغية صغيرا، أو ذليلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت