حرموه إلا لعلّة الزنا والخيانة الزوجية كالأرثوذوكس، وبين الذين أَرْخَوْا العنان في أمر الطلاق، فلم يقيّدوه بقيد، أو شرط، فمن طلب الطلاق من امرأة أو رجل كان أمره بيده، وبذلك سهل هدم الحياة الزوجية بأوهى سبب، وأصبح هذا الميثاق الغليظ أوهى من بيت العنكبوت.
إنما شرع الإسلام الطلاق، عندما تفشل كل وسائل العلاج الأخرى، ولا يجدي تحكيم ولا إصلاح، ومع هذا، فهو أبغض الحلال إلى الله، ويستطيع المطلق مرة ومرة أن يراجع مطلقته ويعيدها إلى حظيرة الزوجية من جديد. كما قال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] .
والإسلام وسط في تشريعه ونظامه الاجتماعي بين"الليبراليين"أو"الرأسماليين"، الذين يدلّلون الفرد على حسب المجتمع، بكثرة ما يعطي له من حقوق يطالب بها، وقلّة ما يفرض عليه من واجبات يُسْأل عنها. فهو دائما يقول: لي، وقلّما يقول: عليّ، وبين الماركسيين والجماعيين الذين يضخّمون دور المجتمع، بالضغط على الفرد، والتقليل من حقوقه، والحجر على حريّته، ومُصَادَرة نوازعه الذاتية.
وفي النظام الإسلامي تلتقي الفردية والجماعية في صورة متّزنة رائعة، تتوازن فيها حرية الفرد ومصلحة الجماعة، وتتكافأ فيها الحقوق والواجبات، وتتوزّع فيها المغانم والتبعات بالقسطاس المستقيم.
لقد تخبّطت الفلسفات والمذاهب من قديم، في قضية الفرد والمجتمع والعلاقة بينهما: هل الفرد هو الأصل والمجتمع طارئ مفروض عليه؟ لأن المجتمع إنما يتكون من الأفراد؟ أم المجتمع هو الأساس والفرد نافلة؟ لأن الفرد بدون المجتمع مادة غفل (خام) ، والمجتمع هو الذي يشكلها ويعطيها صورتها؟ فالمجتمع هو الذي يورث الفرد ثقافته وآدابه وعاداته وغير ذلك؟