بحساب وميزان، هو الله الذي خلق كل شيء فقدّره تقديرًا، وأحاط بكل شيء خبرًا، وأحصى كل شيء عددًا، ووسع كل شيء رحمةً وعلمًا.
ولا عجب أن نرى هذا التوازن الدقيق في خلق الله، وفي أمر الله جميعا، فهو صاحب الخلق والأمر.
فظاهرة التوازن، تبدو فيما أمر الله به، وشرعه من الهدى ودين الحق، أي: في نظام الإسلام ومنهجه للحياة، كما تبدو في هذا الكون الذي أبدعته يد الله، فأتقن فيه كل شيء.
ننظر في هذا العالم من حولنا فنجد الليل والنهار، والظلام والنور، والحرارة والبرودة، والماء واليابس، والغازات المختلفة، كلها بقدر وميزان وحساب، لا يطغى شيء منها على مقابله، ولا يخرج عن حدّه المقدر له.
وكذلك الشمس والقمر، والنجوم والمجموعات الكونية السابحة في فضاء الكون الفسيح، إن كلًّا منها يسبح في مداره، ويدور في فلكه، دون أن يصدم غيره، أو يخرج عن دائرته. وصدق الله العظيم إذ يقول: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] ، {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} [الملك: 3] ، {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] ، {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ. وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ. وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} [الرحمن: 5 - 7] .
وقد لاحظ الأديب المعروف الأستاذ توفيق الحكيم هذه الظاهرة الكونية العامة: ظاهرة التوازن أو التعادل بين المتقابلات في شتى جوانب الكون والحياة، فبنى عليها نظريته في الأدب والفنّ والثقافة، وأطلق عليها عنوان:"التعادلية".