فهذا وما سبق أصل في تغيير الجواب، أو الفتوى بتغيير أحوال السائلين.
ومن هذا ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيْمَانٌ بِاللهِ وَرَسُوْلِهِ» ، قِيْلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «جِهَادٌ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ» ، قِيْلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُوْرٌ» (1) .
فجعل الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال بعد الإيمان.
وفي هذا المعنى جاءت أحاديث شتى تجيب السائلين بأن الجهاد لا يعدله عمل آخر إلا من استطاع أن يصوم الدهر فلا يفطر، ويقوم الليل فلا ينام.
ولكن البخاري نفسه روى عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - أنها قالت: يَا رَسُوْلَ اللهِ ... نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ؟! قَالَ: «لكنّ أَفْضَلُ الْجِهَادِ حِجٌّ مَبْرُوْرٌ» (2) ، زيدت كلمة: «لكن» - بضم الكاف، وهو الأكثر - على أنها خطاب تفسّره، - وبكسرها مع مدّ اللام - على أنها للاستدراك، والمراد: واحد، وهو أن الجهاد إن كان أفضل العمل، فذلك في حق الرجال، أما النساء، فأفضل جهاد لهن: الحج المبرور. فهنا، تغيرت فتواه وجوابه - صلى الله عليه وسلم - لما كان السائل امرأة. إذ الشأن في حمل السلاح أن يكون للرجال. وهذا كله - وغيره كثير - أصل في تغيير الجواب أو الفتوى بتغير أحوال السائلين، فكيف إذا تغير الزمان والمكان؟!
بهذا كله، يظهر لنا وجه المجتمع المسلم، بَيِّنِ الملامح، واضحِ القسمات، مميّزا بهذه الفضيلة البارزة في حياته، وهي: الجمع بين الثبات الذي يمنحه الاستقرار، فلا يتزحوح عن مبادئه ولا يتحول عن أصوله، وبين المرونة التي يواجه بها سير الزمن، وسنة التطور.
فهو يجمد في بعض الأمور كالصخر، ويلين في بعض الأمور كالعجين!
(1) تلخيص الحبير (4/ 187) بتعليق السيد عبد الله هاشم اليماني.
(2) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور.