بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.
والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها حسب المصلحة، وقد ضرب ابن القيم لذلك عدة أمثلة من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنة خلفائه الراشدين المهديين من بعده - ثم قال:
"وهذا باب واسع، اشتبه فيه على كثير من الناس الأحكام الثابتة اللازمة التي لا تتغير، بالتعزيرات التابعة للمصالح وجودا وعدما" (1) .
والذي يتدبر القرآن الكريم، يجد في نصوصه المقدسة دلائل جمة، على هذه الخصيصة البارزة، من خصائص الأمة المسلمة، وهي:
الجمع بين الثبات والمرونة جمعا متوازنا عادلا.
وإذا كان بالمثال يتضح المقال، فلا بأس أن نذكر هنا بعض الأمثلة التي توضح ما قلناه.
أ- يتمثل الثبات في مثل قوله تعالى في وصف مجتمع المؤمنين: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] ، وفي قوله لرسوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] ، فلا يجوز لحاكم، ولا لمجتمع، أن يلغي الشورى من حياته السياسية والاجتماعية، ولا يحل لسلطان أن يقود الناس رغم أنوفهم إلى ما يكرهون، بالتسلط والجبروت.
وتتمثل المرونة، في عدم تحديد شكل معين للشورى، يلتزم به الناس في كل زمان وكل مكان فيتضرر المجتمع بهذا التقييد الأبدي، إذا تغيرت الظروف بتغير البيئات أو الأعصار أو الأحوال. فيستطيع
(1) إغاثة اللهفان (1/ 346 - 349) .