أكد الإسلام حرمة العرض والكرامة للإنسان، مع حرمة الدماء والأموال، حتى إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلن ذلك في حجة الوداع أمام الجموع المحتشدة في البلد الحرام، والشهر الحرام، واليوم الحرام: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ» (1) فلا يجوز أن يؤذَى إنسان في حضرته، ولا أن يُهان في غيبته، سواء أكان هذا الإيذاء للجسم بالفعل، أو للنفس بالقول، فربما كان جرح القلب بالكلام أشد من جرح الأبدان بالسياط أو السنان.
وكيف لا يحرم الإنسان القتل، وقد حرم ما دونه؟ أجل، لقد حرم الإسلام أشد التحريم أن يضرب إنسان بغير حق، وأن يجلد ظهره بغير حد، وأنذر باللعنة مَنْ ضرب إنسانًا ظلما، ومن شهده يضرب ولم يدفع عنه (2) ، وبهذا حمى بدن الإنسان من الإيذاء.
كذلك حرم الإسلام الإيذاء الأدبي للإنسان: حرم الهمز، واللمز، والتنابز بالألقاب، والسخرية، والغيبة، وسوء الظن بالناس، وأنزل الله في ذلك آيات تتلى في سورة الحجرات (3) ، وبذلك حمى نفس الإنسان من الإهانة.
ولم يكتف الإسلام بحماية الإنسان في حالة حياته، فكفل له الاحترام بعد مماته، ومن هنا جاء الأمر بغسله وتكفينه ودفنه، والنهي عن كسر عظمه، أو الاعتداء على جثته (4) ، خلافا للأمم التي تحرق جثث موتاها.
وفي هذا جاء الحديث النبوي: «كَسْرُ عِظَمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» (5) .
(1) رواه الشيخان وغيرهما من حديث جابر.
(2) معنى حديثٍ رواه الطبراني والبيهقي بإسناد حسن، كما في الترغيب والترهيب للمنذري.
(3) الآيات 10 - 12 من سورة الحجرات، ومنها: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ... الآيات} .
(4) ما لم تدفع إلى ذلك ضرورة أو حاجة، كمعرفة أسباب القتل وكيفيته الذي يقوم به (الطب الشرعي) الآن، وقد يستلزم هذا تشريح الجثة أو كسر بعض العظام.
(5) رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه عن عائشة، ورواه ابن ماجه عن أم سلمة بلفظ: «كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ فِي الإِثْمِ» كما في الجامع الصغير للسيوطي.