فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 254

ومراعاة واقع الإنسان من حيث هو مخلوق مزدوج الطبيعة، فهو نفخة من روح الله في غلاف من الطين، ففيه العنصر السماوي والعنصر الأرضي، ومن حيث هو ذكر أو أنثى لكل منهما تكوينه ونزعاته ووظيفته، ومن حيث هو عضو في مجتمع، لا يستطيع أن يعيش وحده ولا أن يفنى تماما في المجتمع، ولهذا تصطرع في نفسه عوامل الأنانية والغيرية.

ومن هنا لم ينس الإسلام - في توجيهاته الفكرية، وفي تعليماته الأخلاقية، وفي تشريعاته القانونية - واقع الكون وواقع الحياة، وواقع هذا الإنسان بكل ظروفه وملابساته. لأن الذي يشرع للإنسان، ويوجهه ويعلمه هو الذي خلق الكون، والحياة، وهو الذي خلق الإنسان، فهو أعلم بما يصلحه وما يفسده، وما يرقى به إلى درجة الملاك، وما يهبط به إلى حضيض البهائم: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .

والواقعية بهذا المعنى ليست نقيضا للنزعة المثالية المعتدلة في الفلسفة والأخلاق. فإن هذه النزعة مبنية على فطرة الإنسان وتطلعاتها إلى الترقي، وشوقها إلى المثل الأعلى.

فهي إذن واقعية مثالية، أو مثالية واقعية. فقد سلمت من إفراط غلاة المثاليين، ومن تفريط الواقعيين من البشر.

وهذا بخلاف الفسلفات والمذاهب و"الأيديولوجيات"الأرضية الوضعية كلها. فقد وضعها بشر محدود القدرة والمعرفة، تنقصهم الإحاطة التامة بواقع الكون وواقع الحياة وواقع الإنسان، الإحاطة بحاجاته كلها، وبدوافعه كلها، وبطاقاته كلها، وبتطوراته كلها .. الإنسان في كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل حال.

فهم حين يضعون منهجا أو"نظام حياة"للإنسان، يضعونه متأثرين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت