بالواقع للإنسان في بيئة معينة في عصر معين، غافلين عما كان عليه إنسانٌ الأمس، وما يكون عليه إنسان الغد، بل ما عليه إنسان الحاضر في بيئته أو بيئات أخرى، لم يتح لهم الاطلاع عليها. فضلا عن الغفلة عن واقع الكون الكبير الذي يعيشون فوق أرضه، وتحت سمائه، والذي يعرفون منه شيئا، ويجهلون أشياء، مما يبصرون وما لا يبصرون.
هذا إذا افترضنا فيهم النزاهة التامة والتجرد الكامل، والبعد عن كل تأثر بمؤثرات ورائية أو بيئية، وعدم الخضوع لأي ضغوط نفسية أو خارجية، وهيهات هيهات!
ومن ثم تأتي هذه الفسلفات، أو الأنظمة، أو المذاهب، أو الأيديولوجيات، قاصرة في نظرتها لواقع الإنسان والحياة وفي رعايتها له. ولهذا تجد فيها كثير من الأوهام والتخيلات التي لا يقوم عليها الواقع المشاهد.
خذ مثلا الشيوعية، لقد بَنَتْ فلسفتَها على أساس إقامة مساواة اقتصادية بين الناس جميعا، بحيث لا يأخذ أحد في المجتمع الشيوعي أكثر من حاجته، وفقا لمبدئها القائل:"من كلٍّ حسب قدرته، ولكل حسب حاجته".
وقد استولى الشيوعيون على الحكم في روسيا منذ أكثر من نصف قرن (أكتوبر 1927) ، ومع هذا لم يتحقق هذا الحلم، ولم يقتربوا منه، بل بالعكس ما يزيدهم الواقع ومرور الأيام عنه إلا بعدا، لأنهم بين حين وآخر، يعترفون شيء من الملكية للأفراد في صورة من الصور.
ومن المقرر المعروف أن تباين"الدخول"في الاتحاد السوفييتي أمر لا ينكره السوفييت أنفسهم، فأين العمال والفلاحون وصغار الموظفين من الفنانين، والمهندسين، وأعضاء الحزب، وأشباههم من المحظوظين المقربين؟!
ففكرة"المساواة الاقتصادية"- التي ضحى الشيوعيون من أجلها بالحريات الفردية - فكرة وهمية لا تستند إلى الواقع .. ولهذا خسر الناس الحرية، ولم يكسوا المساواة!