فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 254

هذه الفطرة حقيقة أجمع عليها الباحثون في تاريخ الأمم، والأديان، والحضارات، فقد وجدوا الإنسان منذ أقدم العصور تتدين، ويتعبد، ويؤمن بإله، حتى قال أحد كبار المؤرخين:

"ولقد وجدتْ في التاريخ مدنٌ بلا قصور، ولا مصانع، ولا حصون، ولكن لم توجد أبدا مدنٌ بلا معابد".

ولهذا، كانت مهمة رسل الله كافة في جميع الأعصار، هي تحويل الناس من عبادة المخلوقات إلى عبادة الخالق، وكان نداؤهم الأول إلى قومهم: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (1) .

أما وجود الله تعالى، فكان أمرا مسلما به، مفروغا منه، لدى كافة الأمم في كل الأزمنة والعصور، ولم يجادل فيه إلا قلة مسحوقة لا يقام لها وزن. ولهذا لم يَشْغَل رسلُ الله أنفسهم بإثبات وجود الله وإقامة الأدلة عليه، بل بإثبات وحدانيته في ربوبيته وألوهيته، واستحقاقه أن يفرد بالعبادة دون غيره (2) ، وفي هذا يقول القرآن: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] .

ثالثا: سلامة النفس من التمزق والصراع

ومن ثمرات هذه الربانية - ربانية الغاية والوجهة - سلامة النفس البشرية من التمزق والصراع الداخلي، والتوزع والانقسام بين مختلف الغايات، وشتى الاتجاهات.

لقد اختصر الإسلام غايات الإنسان في غاية واحدة هي إرضاء الله تعالى، وركز همومه في همّ واحد هو العمل على ما يرضيه سبحانه.

(1) ذكر القرآن هذا القول على لسان نوح، وهود، وصالح، وشعيب، في سورة الأعراف الآيات: 59، 65، 73، 85، وقد تكرر معناه في عدة سور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت