فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 254

ولا يريح نفس الإنسانية شيء كما يريحها وحدة غايتها، ووجهتها في الحياة، فتعرف من أين تبدأ، وإلى أين تسير، ومع من تسير.

ولا يُشْقِي الإنسانَ شيء مثل تناقض غاياته، وتباين اتجاهاته، وتضارب نزعاته، فهو حينا يُشرق، وحينا يغرب، وتارة يتجه إلى اليمين، وطورًا يتجه إلى اليسار، ومرة يُرضي زيدا فيغضب عمرو، وأخرى يُرضي عمرًا فيغضب زيد، وهو في كلا الحالين حائر بين رضا هذا وغضب ذاك.

وَمَنْ في الناس يُرضِي كلَّ نفس ÷ وبين هوى النفوس مدى بعيد؟!

إن عقيدة التوحيد قد منحت المسلم يقينا بأن لا رب إلا الله يُخاف ويُرجى، ولا إله إلا الله، يُجتنب سخطه، ويُلتَمس رضاه. وبهذا، أخرج المسلم كل الأرباب الزائفة من حياته، وحطم كل الأصنام المادية والمعنوية من قلبه، ورضي بالله وحده ربا، وعليه يتوكل، وإليه يُنيب، وفي فضله يطمع، ومن قوته يستمدّ، وله يتودّد، وإليه يحتكم، وبه يعتصم: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101] .

فأين هذا من المشرك بالله، الذي تعددت أربابه، وتضاربت وجهاته، وقد مثله القرآن الكريم بعبدٍ له أكثر من سيد، وهم شركاء متشاكسون غير متوافقين، كلٌّ يأمره بضدّ ما يأمره به الآخر، ويريد منه غير ما يريده، فَهَمُّهُ متفرق، وقلبه مشتّت. يقول تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ (1) هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا} [الزمر: 29] .

وقال يوسف - عليه السلام - لرفيقه في سجن عزيز مصر، وقد كانا كقومهم ممن يعبدون مع الله آلهة أخرى: يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ

(1) أي خالص الملكية لرجل واحد، لا شركة في ولا مشاكسة، فهو يعرف سيده، ويعرف ما يطلبه وما يرضيه، وكيف يرضيه، وهذا مثل المؤمن الموحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت