الفلاح"، فينتشل المسلم نفسه من دنياه - دنيا الصراع والمتاع - ليقف بين يدي ربّه دقائق يفضي إليه فيها بذات نفسه، داعيا بالخير لنفسه ولأمته، مترقيا من المادية إلى الروحية، ومن الأنانية إلى الغيرية، سائلا ربّه بلسان الجماعة كلها: {اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] ."
ومن صيام يتكرر شهرا في كل عام، يحرم المسلم فيه نفسه من شهوات الطعام والشراب والجنس، كل يوم، من تبيّن الفجر إلى غروب الشمس، تربية للإرادة، وتدريبا على التقوى، وعلى كمال العبودية لله سبحانه. وفي هذا يقول الحديث القدسي: «اَلصِّيَامُ لِيْ وَأَنَا أَجْزِيْ بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ مِنْ أَجْلِيْ، وَيَدَعُ شَرَابَهُ مِنْ أَجْلِيْ، وَيَدَعُ زَوْجَتَهُ مِنْ أَجْلِيْ، وَيَدَعُ لَذَّتَهُ مِنْ أَجْلِيْ» .
ومن زكاة يغالب بإخراجها شُحّ نفسه، ويزكي بها ماله وروحه، ويشكر بها نعمة ربّه عليه، وفي هذا يقول القرآن: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] ، ولهذا سميت"زكاة"، لما توحي به هذه الكلمة من معاني الطهارة والنماء والبركة، على عكس كلمة"الضريبة"التي توحي بمعنى القهر والإجبار والغرامة. ولهذا يطلب من المسلم أن يؤديها طيبة بها نفسه، داعيا ربّه أن يتقبلها منه قائلا:"اَللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا، وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا".
ومن حجّ، يفارق فيه المسلم وطنه ومسقط رأسه، ويدع أهله وعشيرته، مهاجرا إلى الله، باذلا من نفسه وماله، ومحتملا المكاره والمشقة في ذات الله، حتى يصل إلى الأرض المقدسة، حيث أول بيت وضع لعبادة الله في الأرض، وحيث ذكريات إبراهيم، وإسماعيل، وهاجر - عليهم السلام - من قبل، وذكريات محمد - صلى الله عليه وسلم - ودعوته من بعد.
هنالك يتجرد المسلم من ثيابه المعتادة - بما تحمله من مظاهر التفاوت والطبقية والعنصرية والإقليمية - ليلبس ثيابا أشبه بأكفان الموتى، مستعليا على المادية ومظاهرها، متجها إلى الله بقلبه ولسانه، شعاره ونشيده:"لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ"