فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 254

الأوبئة، أو في تسخير القوى الكونية بسلطان العلم لمصلحة الإنسان، أو نحو ذلك من كل ما يتعلق بالجانب العلمي (التقني) ، والإبداع المادي، والتنظيم العملي، فالإسلام يرحب به، ويعمل على اقتباسه في مجتمعه، بشرط ألا يصطدم بأحكام الإسلام، وقد جاء الحديث: «اَلْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» (1) .

لقد رأينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب على جذع نخلة في أول أمره بالمدينة، فلما كثر المسلمون، واستقر له الأمر، استدعي له نجار رومي، فصنع له منبرا من ثلاث درجات، فكان يخطب عليه في الجمعة والمناسبات، وفي غزوة الأحزاب، أشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة يحميها من الغزاة المشركين، وهذا من أساليب الفرس الدفاعية، فأعجب به ونفّذه ولم يقل: هذا من أساليب المجوس لا نأخذ به.

بل رأينا الصحابة - رضي الله عنهم - يقتبسون بعض التنظيمات الإدارية، والمالية الصالحة من الفرس، أو الروم وغيرهم، ولم يجدوا بذلك بأسا، ما دام يحقق لهم مصلحة، ولا يصادم نصا ولا قاعدة، كما في نظام الخراج، وهو نظام فارسي الأصل، ونظام الديوان، وهو نظام روماني الأصل.

ولقد استطاع المسلمون في العصور الذهبي أن يحتفظوا بشخصيتهم الإسلامية، ثابتين على عقائدهم، وشعائرهم، وأخلاقهم، وشريعتهم، وأن يقتبسوا مع هذا من مدنيات الفرس، والروم، والهنود، وغيرهم من القدماء ما ينفعهم، ويلائم أوضاعهم، وأن ينتفعوا بتراث الإغريق"العلمي"بعد أن عربوه وهذبوه، واضافوا إليه، وأيد ذلك فقهاؤهم وأئمة دينهم - بل ساهموا وشاركوا فيه - ولم يتوقفوا إلا فيما رأوه معارضا لعقيدتهم وفكرتهم عن الله والوجود، أو لمنهجهم الفكري. وذلك يتمثل في الجانب"الميتافيزيقي"من

(1) رواه الترمذي عن أنس في كتاب العلم، وابن ماجه في كتاب الزهد من سننهما، وفي سنده كلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت