الفلسفة الإغريقية، كما تمثل في منطق أرسطو الذي عارضه جماعة من أكابر العلماء مثل ابن الصلاح، والنووي، وابن تيمية الذي ألّف في نقضه على أساس عقلي وعلمي بحت، كتابين صغيرا وكبيرا. وسبق بهذا النقض العصر الحديث الذي أقام نهضته على الاستقراء، لا على القياس الذي هو محور المنطق الأرسطي.
على أن من فقهاء المسلمين من نصر هذا المنطق وتبناهن واجتهد أن يستدل على صحته من آيات القرآن، مثل أبي حامد الغزالي الذي سماه"معيار العلوم". والمهم، أن المسلمين كانوا في غاية من المرونة أمام الجانب العلمي بتعبير عصرنا. وكذلك الجانب الإداري، والتنظيمي، والعمراني، والصناعي. ولم يجدوا أي حرج ديني في اقتباس ذلك من غيرهم، والزيادة عليهم والتفوق فيه ما استطاعوا. بخلاف الأمور الأخرى المتصلة بالفكرة والعقيدة، فقد رفضوا هذا الجانب من فلسفة الإغريق، وخطأوا من اعتنقه وأيّده من الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام، بل كفرهم الغزالي وغيره في مسائل معروفة خالفوا فيها المعلوم من الدين بالضرورة، كما يتضح ذلك في كتابه:"تهافت الفلاسفة"، وإن ردّ عليه العلم الفيلسوف القاضي ابن رشد في كتابه:"تهافت التهافت".
ولقد أثبت مؤرخو الحضارة الإسلامية أن المنهج العلمي الحديث الذي يتميّز به الغرب قد اقتبس من المسلمين، الذي سبقوا إلى اكتشاف هذا المنهج كاملا قبل نهضة أوروبا بعدة قرون. وقد شهد بذلك جورج سارتون، وغوستاف لوبون، وبريفولت، وغيرهم من الغربيين المنصفين (1) .
وما زال تاريخ العلم يحتفظ بأسماء لامعة لعلماء مسلمين في الطب، والكيمياء، والفيزياء، والفلك، وغيرها، كما يحتفظ بأسماء كتب علميه، ظلت مراجع عالمية فذة في موضوعها لعدة قرون.
(1) انظر في ذلك: كتاب"مناهج البحث عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي"للدكتور علي سامي النشار. وانظر كذلك:"حضارة العرب"لغوستاف لوبون، فصل: مناهج العرب العلمية، ترجمة عادل زعيتر.