وإن الإنسان الرباني قد يتاح له المال الحرام، عن طريق الرشوة السافرة أو المقنّعة، أو استغلال المنصب والنفوذ، أو غير ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، فيرفضه، راضيا بالقليل، قانعا بالحلال، موقنا أن كل لحم نبت من حرام فإن النار أولى به، وهو لا يُحبّ أن يشتري جهنم بشيء ولو كان ملك المشرق والمغرب.
حسبه أن يتلو قول الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] .
وإن الإنسان الرباني قد يتاح له الجاه والمنصب الحرام عن طريق موالاة المعتدين، أي معاونة الظالمين، أو السير في ركب الطاغين، فيأبى عليه دينُه وينهاه إيمانُه، متذكرا قول الله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113] .
وإن الإنسان الرباني قد يتاح له أن يتمكن من خصمه، ويستطيع أن يُشفي منه نفسه، وأن يرد له الصاع صاعين، فينقع غلّته بالانتقام منه، ويستمتع بقهره وإذلاله، ولكن ربانيته السمحة تأبى عليه إلا أن يقف وقف العفو والصفح والسماح، فيقول ما قال يوسف لإخوته: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] .
والناس تتفاوت غاياتهم وأهدافهم - أفرادًا وجماعاتٍ - تفاوتًا بعيدا، ويختلفون فيها اختلافا شاسعا، يرتفع فيه بعضهم إلى أفق الملائكة، وينزل به بعضهم إلى حضيض الشياطين.
وهذا في الواقع هو الاختلاف الأكبر والأعمق بين الناس: أعني الاختلاف على الأهداف.