به، ولكن أصابها الغلوّ أو التحريف والتزييف، بما بدّل جوهرها، وأخرجها عن رسالتها، ونظرا لأنها كانت رسالات مرحلية موقوتة لم يكتب الله لها الخلود، ولم يتكفل بحفظها، كما تكفل بحفظ القرآن، بل استحفظها أهلها، فضيعوا وبدلوا.
وأبرز مثل لذلك المسيحية التي جاءت لإنقاذ الإنسان من سيطرة العقلية اليهودية في ماديتها، وشكليتها وعنصريتها. فلم تلبث أن حُرِّفت بالحذف والزيادة حتى أصبحت - في القرون الوسطى - غلا في عنق الإنسان، وقيدا في رجله.
اعتبرت الإيمان ضدا للعقل، فكان شعارها:"اعتقد وأنت أعمى".
واعتبرت الجسم عدوا للروح، فأهملت الأجسام إبقاء على الأرواح.
واعتبرت العمل للحياة منافيا للتعبد لله، فابتعدت نظام الرهبنة والانقاطاع عن الحياة.
واعتبرت الإنسان ملوثا بالخطيئة من يوم يولد، لأنها لازمة لوجوده، ورثها من أبيه الأول.
وحجرت على الإنسان أن يتصل بربه إلا بوساطة كاهن بيده مفاتيح الجنة، وملكوت السماء.
ذلكم هو إنسان المسيحية في صورتها التاريخية المعروفة، أما إنسان الإسلام، فهو شيء آخر.
لقد كان من دلائل تكريم الله للإنسان في نظر الإسلام، أنه فتح له باب التقرب إليه سبحانه وتعالى أنى شاء، ومتى شاء، ولم يُحْوِجْه إلى وسطاء يتحكمون في ضميره، ويقفون حجابا بينه وبين ربه. يقول الله تعالى مخاطبا لرسوله الكريم: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا