فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 254

إنه لا يعطي المسلم حرية مطلقة في تنظيم حياته ولو على حساب عقائده وقيمه ومفاهيمه، كما أنه لا يقيده في كل شؤون بتشريعات مفصلة دائمة، لا يستطيع الفكاك منها.

فالفقيه المسلم، مقيد حقا بالنصوص المحكمة الثابتة من القرآن والسنة، وهي المجزوم بثبوتها، القواطع في دلالتها، التي أراد الشارع الحكيم أن تلتقي عندها الأفهام، ن ويرتفع عندها الخلاف، وينعقد عليها الإجماع، فهي أساس الوحدة الفكرية والسلوكية، للمجتمع المسلم، وهي للأمة كالجبال للأرض تمسكها أن تميد، وتحميها أن تضطرب وتتزلزل، وهذا النوع من النصوص قليل جدا بالنسبة إلى سائر النصوص.

ومع هذا التقيد الملزم، يجد الفقيه المسلم نفسه في حرية واسعة أمام منطقتين فسيحتين من مناطق الاجتهاد وإعمال الرأي والنظر:

منطقة الفراغ التشريعي

أما المنطقة الأولى: فهي ما يمكن تسميته:"منطقة الفراغ التشريعي"، تلك المنطقة التي تركتْها النصوص - قصدا - لاجتهاد أولي الأمر والرأي، وأهل الحل والعقد في الأمة، بما يحقق المصلحة العامة، ويرعى المقاصد الشرعية، من غير أن يقيدنا الشارع فيها بأمر أو نهي. وهي المنطقة التي يسميها بعض الفقهاء"العفو"، تبعا لما جاء في بعض الأحاديث: «مَا أَحَلَّ اللهُ فِيْ كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ فَاقْبَلُوْا مِنَ اللهِ عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ لَيَنْسَى شَيْئًا» ، وتلا: {وَمَا كَاَن رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] (1) .

وفي حديث آخر: «إِنَّ اللهَ حَدَّ حُدُوْدًا فَلَا تَعْتَدُوْهَا، وَفَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوْهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوْهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوْا عَنْهَا» (2)

(1) رواه البزار والحاكم وصححه.

(2) رواه الدارقني، وحسنه النووي في الأربعين، ونوزع في ذلك كما في شرح هذا الحديث لابن رجب الحنبلي في كتاب (جامع العلوم والحكم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت