فالحدود التي قدرها الشرع، لا يجوز اعتداؤها، مثل تحديد الطلاق الذي تجوز بعده الرجعة بمرتين، وتحديد عدة المطلقة بثلاثة قروء، أو بوضع الحمل، وتحديد أنصبة الورثة في تركة الميت، وتحديد نصاب الزكاة ومقدار الواجب فيها، وكذلك العقوبات المقدرة بمائة جلدة، أو بثمانين، أو بقطع اليد ونحوها.
فلا يجوز لمجتهد ولا سلطان أن يغير هذه المعالم، ويتجاوز هذه المقدرات الشرعية.
ومثل ذلك الفرائض التي أوجبها الله كالعبادات الأربع التي هي أركان الإسلام، ومبانيه العظام، ومثل ذلك الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجار، وأداء الأمانات، والحكم بالعدل، وغيرها.
فلا يجوز لأحد أن يسقط أو يلغي شيئا من هذه الفرائض، أو يتساهل فيها، ففرضيتها ثابتة في شريعة الإسلام، لا تقبل نسخا ولا تجميدا ولا تطويرا ولا يجوز أن تضيع في مجتمع مسلم.
وكذلك المحرمات اليقينية، التي أشرنا إليها من قبل، مثل: الشرك، والسحر، والقتل، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات، والزنى، وشرب الخمر، والسرقة، وشهادة الزور، ونحوها.
فهذه كلها ثابتة، لا تلين للعصور، ولا يتهاون فيها يوما، فيفتي بحلها مجتهدٌ، أو يرخص فيها حاكم، ولا يجوز أن تنتهك في مجتمع مسلم.
وما عدا هذه الحدود والفرائض والمحرمات، فهي أمور مسكوت عنها، متروكة للاجتهاد، رحمة بالأمة، وتيسيرا وتوسعة عليها، وبهذا تجد أمامها مجالا رحبا مرنا، تتحرك فيه بيسر وسهولة دون أن تشعر بالإثم في دينها، أو الحرج في دنياها.