أو ما قاله الآخر:
جئتُ لا أعلمُ من أين ÷ ولكني أتيتُ!
كلا .. فقد اتضحت وجهتُه الربانية، وعرف من أين جاء، ولِمَ جاء، وإلى مَن فراره، وأين قراره؟ إنّ حسبه أن يقرأ من كتاب ربه ما ردّ به إبراهيم خليل الرحمن على عبدة الأوثان، فقال: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ. الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ. وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ. وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 77 - 82] .
ومن ثمرات هذه الربانية وفوائدها، أن يهتدي الإنسان إلى فطرته التي فطره الله عليها. والتي تطلب الإيمان بالله تعالى، ولا يعوضها شيء غيره، يقول تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] .
واهتداء الإنسان إلى فطرته ليس كسبا رخيصا، بل هو كسب كبير، وغنًى عظيم، فيه يعيش المرء في سلام ووئام مع نفسه، ومع فطرة الوجود الكبير من حوله، فالكون كله رباني الوجهة، يسبح بحمد الله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] .
والحقيقة أن في فطرة الإنسان فراغا لا يملؤه علم، ولا ثقافة، ولا فلسفة، إنما يملؤه الإيمان بالله - جلّ وعلا -.
وستظل الفطرة الإنسانية تحسّ بالتوتر، والجوع، والظمأ، حتى تجد الله، وتؤمن به، وتتوجه إليه.
هناك نستريح من تعب، وترتوي من ظمأ، وتأمن من خوف، هناك تحسّ بالهداية بعد الحيرة، والاستقرار بعد التخبط، والاطمئنان بعد القلق، ووجدان