المنزل والأهل بعد طول الغربة، والضرب في أرض التيه.
فألقَتْ عصاها واستقرّ بها النوى ÷ كما قرّ عينا بالإياب المسافرُ
فإذا لم يجد الإنسان ربه - وهو أقرب إليه من حبل الوريد - فما أشقى حياته، وما أتعس حظّه، وما أخيب سعيه!
إنه لن يجد السعادة، ولن يجد السكينة، ولن يجد الحقيقة، لن يجد نفسه ذاتها: {كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} [الحشر: 19] .
فتصور إنسانا يعيش دون أن يجد نفسه، وهو في رأي نفسه، وفي نظر الناس بشر عاقل، سميع بصير، بل لعله جامعي مثقف، ولعله - فوق ذلك -"دكتور"كبير في العلوم أو الآداب!
وكيف يجد نفسه من لم يعرفها؟ وكيف يعرفها من حُجِبَ عنها بالغرور والكبر؟ أو شُغِل عنها باتباع الشهوات، والإخلاد إلى الأرض، والغرق في لذائذ الحس، ومطالب الجسد والطين؟
إن الإنسان خَلْقٌ عجيب، جمع بين قبضة من طين الأرض، ونفخة من روح الله، فمن عرف جانب الطين، ونسي نفخة الروح، لم يعرف حقيقة الإنسان.
ومن أعطى الجزء الطيني فيه غذاءه وربه مما أنبتت الأرض، ولم يعط الجانب الروحي غذاءه من الإيمان ومعرفة الله، فقد بخس الفطرة الإنسانية حقها، وجهل قدرها، وحرمها ما به حياتها وقوامها.
قال ابن القيم (1) - رحمه الله:
"في القلب شعث لا يلمّه إلا الإقبال على الله."
وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله.
وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته.
وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار إليه.
(1) في كتابه:"مدارج السالكين".