وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضى بأمره، ونهيه، وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه.
وفيه فاقة لا يسدّها إلا محبته، والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تُسَدّ تلك الفاقة أبدا"."
وهذا ليس كلام عالم فحسب، بل كلام ذائق مجرب، يقول ما خبره وأحس به في نفسه، وما رآه ولاحظه في الناس من حوله.
إنها الفطرة البشرية الأصيلة التي لا تجد سكينتها إلا في الاهتداء إلى الله والإيمان به، والالتجاء إليه.
إنها الفطرة التي لا يملك مشركو العرب في جاهليتهم أن ينكروها مكابرة وعنادا:
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت: 61] (1) .
وقد يتراكم على هذه الفطرة صدأ الشبهات أو غبار الشهوات، وقد تنحرف، وتتدنس باتباع الظن أو اتباع الهوى، أو التقليد الجاهل للأجداد والآباء، أو الطاعة العمياء للسادة والكبراء. وقد يصاب الإنسان بداء الغرور والعجب، فيظن نفسه شيئا يقوم وحده، ويستغني عن الله!!
بيد أن هذه الفطرة الأصيلة تذبل ولا تموت، وتكمن ولا تزول، فإذا أصاب الإنسان من شدائد الحياة وكوارثها ما لا قِبَل له به، ولا يد له ولا للناس في دفعه، ولا رفعه، فسرعان ما تزول القشرة السطحية المضللة، وتبرز الفطرة العميقة الكامنة، وينطلق الصوت المخنوق المحبوس، داعيا ربه، منيبا إليه، كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 67] .
(1) وقد تكرر هذا المعنى في عدة سور.