ولذلك نجد الأخلاق في الإسلام، لا تعتمد على مجرد الأمر الصارم، والتكليف التعبدي، بل تعتمد على مخاطبة العقول، واستثارة الضمائر، في أخلاق مفهومة معللة بالحكم، والمصالح المترتبة عليه في الدنيا والآخرة، من مثل قوله تعالى في وصية لقمان لابنه: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ. وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 17 - 19] .
ومثل ذلك في سورة الإسراء: {فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29] ، {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] ، {إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 37] .
والتشريعات الإسلامية لضبط الحياة الفردية والأسرية، والاجتماعية والدولية، تشريعات ربانية: أعني في أسسها، ومبادئها، وأحكامها الأساسية، التي أراد الله أن ينظم بها سير القافلة البشرية، ويقيم العلاقات بين أفرادها وجماعاتها على أمتن القواعد، وأعدل المبادئ، بعيدًا عن قصور البشر، وتطرفات البشر، وأهواء البشر، وتناقضات البشر.
وكانت هذه هي المزية الأولى للتشريع الإسلامي على ما سواه من التشريعات قديمها وحديثها، شرقيها وغربيها، ليبراليها واشتراكيها، فهو التشريع الفذ في العالم الذي أساسه وحي الله وكلماته المعصومة من الخطأ، المنزّهة عن الظلم: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: 115] .