وبهذا تقرر في الأصول الإسلامية أن المشرع الوحيد هو الله.
فهو الذي يأمر وينهى، ويحلل ويحرم، ويكلف ويلزم، بمقتضى ربوبيته وألوهيته وملكه لخلقه جميعا، فهو رب الناس، ملك الناس، إله الناس، له الخلق والأمر، وله المِلْك والْمُلك (1) ، وله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم، وإليه يرجعون.
وليس لأحد غيره حق التشريع المطلق، إلا ما أذن الله فيه مما ليس فيه نص ملزم، فهو في الحقيقة مجتهد أو مستنبط أو مقنن، وليس مشرعا أو حاكما، حتى الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه ليس مشرعا، وإنما وجبت طاعته، لأنه مبلغ عن الله، فأمره من أمر الله: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} [النساء: 80] .
فالحكم الشرعي - بما يتضمن من إيجاب أو استحباب، أو تحريم أو كراهة، أو إباحة - إنما هو لله تعالى، وليس لأحد غيره، ولهذا يعرف الأصوليون الحكم الشرعي بأنه:"خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا"، ويعنون بالاقتضاء الطلب، سواء كان طلبا لفعل - وهو يشمل الوجوب والندب - أم طلبا لِكَفّ وترك، وهو يشمل التحريم والكراهة، كما يعنون بالتخيير الإباحة، وهو ما كان للمكلف خيرة في فعله وتركه.
فالمخاطب والمكلف والملزم، والآمر والناهي، ليس إلا الله عزّ وجلّ.
وقد دمغ القرآن بالشرك الذين أعطوا سلطة التشريع المطلق لبعض البشر من رجال الأديان الذين بدلوا كلمات الله، وغيّروا شرع الله فأحلّوا ما حرم الله، وحرموا ما أحل الله، افتراء على الله.
وفي هذا يقول في شأن أهل الكتاب: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] .
(1) الْمِلك والْمُلك: الأولى - بكسر الميم - والثانية - بضمّها.