اعتبر القرآن هؤلاء الأحبار، والرهبان أربابا، أو آلهة معبودون من دون الله، وما كانت عبادتهم إلا طاعته في إحلال ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، أي: إعطاءهم حق التشريع فيما لم يأذن به الله تعالى، كما فسر ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدي بن حاتم الطائي.
فقد كان عدي تنصر في الجاهلية، فلما دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ هذه الآية من سورة التوبة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] قال: يا رسول الله، ما كنا نعبدهم! (كأنه حصر مفهوم العبادة في الركوع والسجود والصلاة ونحوها) فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: ألم يكونوا يُحِلّون لكم الحرام فتحلّوه، ويحرمون عليكم الحلال فتحرموه؟! قال: بلى، قال: فتلك عبادتكم إياهم.
ولهذا، نجد القرآن الكريم يعقب على كثير من الأحكام، والتشريعات بلفت الأنظار إلى ربانية مصدرها، لتطمئن الأنفس وتستريح الضمائر، وتنشرح الصدور للاستجابة والتنفيذ، ولا يتلكأ متلكئ أو يتوانى متوانٍ في الطاعة لحكم الله.
من هذه التعقيبات قوله تعالى في ختام آية قسم الصدقات من سورة التوبة: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] . ونحوها في ختام آية قسمة المواريث الأولى في سورة النساء: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 11] .
وفي ختام آية المواريث الثانية: {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ... } [النساء: 12 - 13] .
وفي آخر آية في سورة النساء، هي متعلقة بالميراث أيضا يختمها بقوله: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء: 176] .