روى ابن أبي شيبة بسنده (1) أن رجلا جاء إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - فقال: أَلِمَنْ قتل مؤمنا توبة؟ قال: لا، إلى النار، فلما ذهب، قال له جلساؤه: ما هكذا كنت تفتينا، فما بال هذا اليوم؟ قال: إني أحسبه مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا، فبعثوا في أثره، فوجدوه كذلك.
رأى ابن عباس - رضي الله عنهما - في عيني هذا الرجل الحقد والغضب والتوثب للقتل، وإنما يريد فتوى تفتح له باب التوبة بعد أن يرتكب جريمته، فقمعه وسدّ عليه الطريق، حتى لا يتورط في هذه الكبيرة الموبقة، ولو رأى في عينيه صورة امرئ نادم على ما فعل، لفتح له باب الأمل.
وقد روى سعيد بن منصور عن سفيان قال: كان أهل العلم إذا سئلوا عن القتال قالوا: لا توبة له، وإذا ابتلي رجل (أي: قتل بالفعل) قالوا له: تب (2) .
وفي هذا المعنى ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة: أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المباشرة للصائم - فرخص له .. وأتاه آخر فسأله عنها فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، وإذا الذي نهاه شاب (3) .
وأشهر من ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجيب عن السؤال الواحد بأجوبة مختلفة، وذلك لاختلاف أحوال السائلين، فهو يجيب كل واحد بما يناسب حاله، ويعالج قصوره أو تقصيره.
فقد وجدنا من سأله عن وصية جامعة، فيقول له: «لَا تَغْضَبْ»
وآخر يقول له: «قُلْ آمَنْتُ بِاللهِن ثُمَّ اسْتَقِمْ» .
وآخر يقول له: «كُفَّ عَلَيْكَ لِسَانَكَ» .
وهكذا يعطي كل إنسان من الدواء ما يرى أنه أشفى لمرضه، وأصلح لأمره.
(1) قال الحافظ في التلخيص (4/ 187) : رجاله ثقات.
(2) تلخيص الحبير (4/ 187) بتعليق السيد عبد الله هاشم اليماني.
(3) المصدر نفسه.