فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 254

بعض الحالات، وتركه في حالات أخرى، بناء على اعتبارات صحيحة، كما فعل عمر بن عبد العزيز.

كما أنه من المجازفة - وقد صح حديث الشاهد مع اليمين - أن يردّ الحديث ردًّا مطلقا، ويمنع العمل به في أي حال من الأحوال.

ومن الأمثلة أيضا: ما ذكره شمس الأئمة (السرخسي) أن أبا حنيفة - رحمه الله - كان يجوّز القضاء بشهادة مستور الحال في عهد تابعي التابعين، اكتفاء بالعدالة الظاهرة، أما بعد هذا العصر، فقد منع الصاحبان (أبو يوسف ومحمد) القضاء بشهادته، لانتشار الكذب بين الناس (1) .

ويقول فقهاء الحنفية في مثل هذا الخلاف بين الإمام وصاحبه (اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان) .

وكان أبو حنيفة في أول عهد الفرس بالإسلام، وصعوبة نطقهم بالعربية، يرخّص لغير المبتدع منهم بقراءة ما لا يقبل التأويل من القرآن في الصلاة باللغة الفارسية، فلما لانت ألسنتهم من ناحية، وانتشر الزيغ والابتداع من ناحية أخرى، رجع عن هذا القول (2) .

ورووا عن العلامة الفقيه"أبي محمد بن أبي زيد القيرواني"صاحب الرسالة المشهورة في فقه المالكية، وشيخ المذهب في وقته، أنه اتخذ كلبا للحراسة في داره، فأنكر عليه بعضهم قائلا: كيف تتخذه وقد كرهه مالك؟ فكان جوابه: لو كان مالك في زماننا، لاتخذ أسدا ضاريا!

وفي كل مذهب من المذاهب المتبوعة، يجد الباحث أمامه أمثلة عديدة تغيرت فيها الفتوى من علماء المذهب، بتغير موجباتها، من الأمكنة والأزمنة والأحوال والعوائد.

وليس هذا بدعا من قائليه، معاذ الله! بل له أصله من هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من بعده.

(1) نفس المصدر السابق، نفس الملاحظة.

(2) نفس المصدر السابق، نفس الملاحظة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت