كما عالج ذلك في كتابه (الفروق) بهذه الروح نفسها.
وفي القرن الثالث عشر الهجري، كتب علامة متأخري الحنفية"ابن عابدين"رسالته المشهورة (نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف) مستخلصا أحكامها مما قرّره علماء المذهب أنفسهم، وأفتوا به في مختلف الأعصار.
وقد ذكر في هذه الرسالة النافعة: أن كثيرا من الأحكام تختلف باختلاف الزمان، لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو لفساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولا، للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد.
ولهذا، نرى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد (إمام المذهب) في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به، أخذا من قواعد مذهبه (1) .
ومن أمثلة ما تغيرت فيه الفتوى والحكم بتغير البيئات، والأزمان، والأحوال:
ما وقع من عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - إذ كان واليا على المدينة، فكان يحكم للمدعي بدعواه، إذا جاء بشاهد واحد، وحلف اليمين، فيعدّ يمين المدعي قائمة مقام الشاهد الثاني، فلما ولي الخلافة، وأقام في عاصمة الدولة بالشام، لم يحكم إلا بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، فسئل في ذلك، فقال: لقد وجدنا أهل الشام على غير ما عليه أهل المدينة (2) .
وما فعله عمر في الشام لا ينافي ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قضى بشاهد ويمين، فإن قضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك يدل على جوازه ومشروعيته، ولا يدل على الوجوب والإلزام، فيجوز القضاء بالشاهد الواحد مع اليمين في
(1) مجموعة رسائل ابن عابدين (2/ 125) .
(2) انظر: أصول التشريع للأستاذ علي حسب الله، ص 84 - 85، وراجع فصل"اختلاف الفتوى باختلاف الأزمنة والأمكنة"في أعلام الموقعين (3/ 27) وما بعدها.