فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 254

من الناس من جنح إلى هذا، ومنهم من مَالَ إلى ذلك، واحتدّ الخلاف بين الفلاسفة والمُشَرِّعِين والاجتماعيّين والاقتصاديّين والسياسيّين في هذه القضية، فلم يصلوا إلى نتيجة!

كان (أرسطو) يؤمن بفردية الإنسان، ويحبّذ النظام الذي يقوم على الفردية، وكان أستاذه (أفلاطون) يؤمن بالجماعية - الاشتراكية - كما يتضح ذلك في كتابه (الجمهورية) .

وبهذا لم تستطع الفلسفة الإغريقية - أشهر الفلسفات البشرية القديمة - أن تحلّ هذه العقدة، وأن تخرج الناس من هذه الحيرة، كشأن الفلسفة دائما في كل القضايا الكبيرة، تعطي الرأي وضده، ولا يكاد أقطابها يتفقون على حقيقة، حتى قال أحد أساتذتها: الفلسفة لا رأي لها!!

وفي فارس، ظهر مذهبان متناقضان: أحدهما فردي يدعو إلى التقشف والزهد، والامتناع عن الزواج، ليعجل الإنسان بفناء العالم، الذي يعجّ بالشرور والآلام، وهذا هو مذهب"ماني"، ويمثل أقصى الفردية.

وقام في مقابله مذهب آخر يمثل أقصى (الجماعية) وهو مذهب"مزدك"الذي دعا إلى شيوعية الأموال والنساء، وتبعه كثير من الغوغاء الذين عاثوا في الأرض فسادا، وضجّت منهم البلاد والعباد.

وقد جاءت الأديان السماوية لتقيم التوازن في الحياة، والقسط بين الناس، كما قرر ذلك القرآن الكريم (1) ، ولكن أتباعها سرعان ما حرّفوها وبدّلوا كلمات الله، ففقدت بذلك وظيفتها في الحياة، حين فقدت مزيّتها الأولى، وهي: ربانية المصدر.

لهذا، لم تقدم الأديان السابقة قبل الإسلام حلّا لهذه المشكلة، فقد كان اليهود الذين تفرّقوا في الأرض يؤيّدون الفردية، بتفكيرهم وسلوكهم القائم على الأنانية: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 161]

(1) في قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت