فهرس الكتاب
النبوة، وأفقه الناس للإسلام، وأحرصهم على تطبيقه، والوقوف عند حدوده، وبخاصة الخلفاء الراشدين، الذين أمرنا أن نستنّ بسنّتهم (1) ، ونعضّ عليها بالنواجذ، وجدنا صحائف مشرقة تتضح فيها مزيّة الجمع بين الثبات والمرونة بلا غلوّ ولا تقصير.
أ- يتمثل الثبات في موقف أبي بكر - رضي الله عنه - ممن امتنعوا عن أداء فريضة الزكاة، وقالوا: نصلي ولا نزكي، ورفضه أن يفرق بين العبادة البدنية (الصلاة) والعبادة المالية (الزكاة) ، وهما قرينتان في الكتاب والسنة، وفي هذا قال كلمته الخالدة:"والله، لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، والله، لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها".
وتتمثل المرونة في موقفه من سيف الله: خالد بن الوليد، حين أخطأ فقتل مالك بن نويرة، ومن معه في حروب الردة، ولم يسمع لغضبة عمر ,ابي قتادة الأنصاري، وثورتهما على خالد في قتله قوما كانوا مقرّين بالإسلام.
وحين ألحّ (عمر) على (أبي بكر) في شأن خالد، قال له: هَبْهُ يا عمر تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد، ولم يكف عمر هذا الجواب، وظلّ يلحّ على أبي بكر، فلما ضاق ذرعا بإلحاحه، قال: يا عمر، ما كنت لأشيم - أي: أغمد - سيفا سله الله على الكافرين.
فقد يبدو أن أبا بكر كان يرى أن خطأ خالد قد يهون في جانب ما له من فضائل، وما أجرى الله على يديه من انتصارات بالأمس، وما لا يزال يتوقع أن يتحقق على يديه من معارك الغد، والأخطار لا زالت تحدق بالجماعة المسلمة. وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في شأن (حاطب بن أبي بلتعة) في فتح مكة، حين نقل أخبار تحركات الرسول بجيشه إلى المشركين وهو عمل يُعَدّ
(1) ليس المراد بسنة الراشدين: أقوالهم الجزئية وآراؤهم الفردية في الفقه، أو التفسير، أو ما شابة ذلك، بل"منهجهم العام"في فهم روح الإسلام، وتطبيق أحكام القرآن والسنة، أي: اتباع المنهج الفكري، والعمل لهم، وهو كما سنرى منهج متوازن، يقوم - فيما يقوم - على الثبات على الأصول والغايات، والمرونة في الفروع والوسائل.