فهرس الكتاب
من أعمال الخيانة: «مَا يُدْرِيْكُمْ؟ لَعَلَّ اللهَ اِطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اِعْمَلُوْا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» .
فدل هذا الموقف النبوي أن السوابق المشرفة تشفع لأصحابها. فهذا هو سِرّ مرونة أبي بكر في هذا الموقف، على عكس تشدّده وصلابته في قتال مانعي الزكاة.
لأن الموقف الأول، يتصل بفريضة أساسية لا يجوز التنازل عنها، أو المساومة عليها.
أما الآخر، فيتصل بموقف جزئي محتمل للتأويل، وفي ظروف غير عادية.
ب- يتمثل الثبات في موقف عمر - رضي الله عنه - من"جبلة بن الأيهم"، الأمير الغساني حين لطم رجلا من سوقة المسلمين، وأبى الرجل إلا أن يقتص منه، فطلب منه عمر أن يرضيه أو يقبل القصاص ولا بد، وفَرَّ الأمير المستكبر مرتدًّا، حتى لا يقتص منه واحد من عامة الناس. ولم يبال به عمر، لأن التفريط في مبدأ العدل والمساواة أمام الشرع أضرّ من ارتداد شخص ما عن الإسلام، واحترام هذا المبدأ وتطبيقه أهم من كسب واحد إلى الإسلام، مهما كان مركزه الاجتماعي.
وتتمثل المرونة في تأخير (عمر) فريضة الزكاة عن أرباب الماشية من الإبل والبقر والغنم في عام الجدب، تيسيرا على الناس، على أن يأخذها منهم بعد أن تتحسن ظروفهم، وفي إيقافه قطع يد السارق في المجاعة، عملا بمبدأ"درء الحدود بالشبهات"، وقد أخذه من السنة النبوية.
ومثل ذلك مرونته في موقفه من نصارى بني تغلب، وقد قيل له: إن القوم لهم بأس وشدة، وهم عرب يأنفون من الجزية، فلا تُعِنْ عليك عدوّك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة، وكانوا هم طلبوا أن تؤخذ منهم الصدقة مضاعفة، على ألا تسمى جزية. وقد امتنع (عمر) عن ذلك أول