فهرس الكتاب
وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص: 77] .
والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يأكل من طيّبات هذه الحياة ولا يحرمها على نفسه، ولكنه لم يجعلها شغل نفسه، ولا محور تفكيره، وكان من دعائه: «اَللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا» (1) .
وإنما كان يعطيها حقها، وللآخرة حقها، بالقسطاس المستقيم، وكان من دعائه: «اَلَّهُمَّ أَصْلِحْ لِيْ دِيْنِيَ الَّذِيْ هُوْ عِصْمَةُ أَمْرِيْ، وَأَصْلِحْ لِيْ دُنْيَايَ الَّتِيْ فِيْهَا مَعَاشِيْ، وَأَصْلِحْ لِيْ آخِرَتِيَ الَّتِيْ إِلَيْهَا مَعَادِيْ، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زَيَادَةً لِيْ فِيْ كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِيْ مِنْ كُلِّ شَرٍّ» (2) .
فهذا الدعاء النبوي المأثور، يبيّن موقف المسلم من الدين والدنيا والآخرة، إنه يطلبها جميعا، ويسأل الله أن يصلحها له جميعا، الدين والدنيا والآخرة، إذ لا غنى له عن واحد منها، فالدين عصمة أمرهن وملاك حياته، والدنيا فيها معاشه، ومتاعه إلى حين، والآخرة إليها معاده ومصيره.
وهو مثل الدعاء القرآني الموجز الذي كان - صلى الله عليه وسلم - كثيرا ما يدعو به: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201] .
وكان - صلى الله عليه وسلم - حريصا على توجيه أصحابه إلى التوازن المقسط بين دينهم ودنياهم، وبين حظ أنفسهم وحق ربهم، بين متعة البدن ونعيم الروح، فإذا رأى في بعضهم غلوًّا في جانب، قوّمه بالحكمة، وردّه إلى سواء الصراط.
ولما رأى في بعض أصحابه إفراطا في التعبد والصيام والقيام، على حساب جسمه وأهله ومجتمعه، قال له: «إِنَّ لِبَدَنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لَزْوْرِكَ - يَعْنِيْ: زُوَّارَكَ وَضُيُوْفَكَ - عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِيْ حَقٍّ حَقَّهُ» (3) .
(1) رواه الترمذي عن ابن عمر وحسّنه، وأقرّه النووي، ورواه النسائي أيضا والحاكم، وصححه على شرط البخاري.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه البخاري.