فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 254

والصيام فرض أولا على التخيير، من شاء صام ومن شاء أفطر وفدى، أي: أطعم مسكينا عن كل يوم يفطره، كما روى ذلك البخاري عن سلمة بن الأكوع، تفسيرا لقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184] ، ثم أصبح الصيام فرضا لازما لكل صحيح مقيم لا عذر له: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] .

والزكاة فرضت أولا بمكة مطلقة غير محددة ولا مقيدة بنصاب ومقادير وحول، بل تركت لضمائر المؤمنين، وحاجات الجماعة والأفراد، حتى فرضت الزكاة ذات النصب والمقادير في المدينة.

والمحرمات كذلك، لم يأت تحريمها دفعة واحدة، فقد علم الله سبحانه مدى سلطانها على الأنفس، وتغلغلها في الحياة الفردية والاجتماعية.

فليس من الحكمة فطام الناس عنها بأمر مباشر يصدر لهم. إنما الحكمة إعدادهم نفسيا وذهنيا لتقبلها، وأخذهم بقانون التدرج في تحريمها. حتى إذا جاء الأمر الحاسم، كانوا سراعا إلى تنفيذه قائلين: سمعنا وأطعنا.

ولعل أوضح مثل معروف في ذلك هو تحريم الخمر على مراحل معروفة في تاريخ التشريع الإسلامي، حتى إذا نزلت الآيات الحاسمة في النهي عنها من سورة المائدة، وفي ختامها: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91] قال المؤمنون في قوة وتصميم: قد انتهينا يا رب!

ولعل رعاية الإسلام للتدرج هي التي جعلته يُبقي على نظام"الرق"الذي كان نظاما سائدا في العالم كله عند ظهور الإسلام، وكان إلغاؤه يؤدي إلى زلزلة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فكانت الحكمة في تضييق روافده، بل ردمها كلها ما وجد إلى ذلك سبيل، وتوسيع مصارفه إلى أقصى حد،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت