الملاحظة والتجربة التي هي أساس العلم الكوني، وهي أمر واقع حتمي في حياتهم، وهذا ضد قوانين الكون، وضد قوانين الفطرة: فطرة الإنسان وفطرة الأشياء.
كما أنه لو اتخذ المرونة المطلقة مبدأ له، وشعارا لحياته، لتطور على طول الزمن إلى مجتمع بلا قيم ولا ضوابط، وأفلت زمامه من يد الدين، أو يصبح الدين خاضعا لظروفه، وتابعا لحياته يستقيم إذا استقامت، وينحرف إذا انحرفت، والمفروض في الدين أن يحكم الحياة، لا أن تحكمه، وأن يخضعه لمثله وهداه، لا أن تخضعه لواقعها وهبوطها.
ولو لان المجتمع في أفكاره ومفاهيمه وأخلاقه وتقاليده وشرائعه، للتطور المطلق حسب البيئة والعصر والأحوال الطارئة، لفقد هذا المجتمع وحدته، وأصبح في كل قطر مجتمع مغاير للمجتمعات المنتسبة إلى الإسلام في أقطار أخرى، فلا توجد الأمة الواحدة التي أرادها الله. وإنما توجد أمم ومجتمعات متناقضة متباينة، كما يريد أعداء الإسلام (1) .
ومن أراد أن يعرف نعمة الله على المجتمع المسلم الذي حفظ له الإسلام توازنه بين الثبات والتطور، فلينظر إلى مجتمعات أخرى - كالمجتمعات الغربية اليوم - كيف فتحت الباب على مصراعيه للتطور المطلق في كل شيء. فلم يبق في حياتها شيء ثابت تستند إليه، وترتكز عليه، فلا عقيدة، ولا فضيلة، ولا تقليد، ولا تشريع، ولا أي قيمة من القيم العليا التي ورثتها الإنسانية من كتب السماء، وتعلمتها على أيدي الهداة من رسل الله وورثتهم بحق.
وكانت ثمرة هذا التطرف اضطراب الحياة كلها: من قلق نفسي، إلى تخبط فكري، إلى تحلل خلقي، إلى تفسخ أسري، إلى تفكك اجتماعي.
وقد قابل هذا التطرف تطرف مضاد، يتمثل في أولئك الشباب الذين رفضوا تطور مجتمعهم إلى ما صار إليه من مادية وآلية، فاختاروا لأنفسهم
(1) لمزيد من المعرفة بقيمة (الثبات) في نظام الإسلام ومجتمعه، انظر: خصائص التصور الإسلامي للمرحوم سيد قطب، ص 83 - 106.