فهرس الكتاب
فقد جاء الإسلام في مجال العبادة بأصلين كبيرين، لا يتساهل في واحد منها قيد شعرة.
الأول: ألا يعبد إلا الله، فلا عبادة لأحد سواه، ولا لشيء سواه، كائنا ما كان، في الأرض أو في السماء. عاقلا أو غير عاقل، وهذا ما تقتضيه ربانية الغاية والوجهة.
والثاني: ألا يعبد الله إلا بما شرعه، وما شرعه إنما يعرف بواسطة رسله المبلغين عنه. وخاتمهم محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي نسخ شرعه كل شرع قبله، والذي كتب الله له الخلود، وتكفل بحفظه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وما عدا ذلك فهو أهواء وبدع مرفوضة، وإن دفع إليها حُسنُ النية، وشدة الرغبة في زيادة التقرب إلى الله جلّ شأنه، ولكن النية الصالحة وحدها لا تعطي العمل صفة القبول ما لم تكن صورته مشروعة بالنص الثابت.
فالعمل المقبول له ركنان: أن يكون خالصا لله، وأن يكون على سنة رسول الله.
أما محدثات العصور، ومبتدعات العقول، فلا مكان لها في دين الله، كما جاء في الحديث: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتُ الْأُمُوْرِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (1) ، ويقول القرآن مُنكِرًا: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] .
وبهذا سدّ الإسلام بابا من أوسع أبواب الغلوّ، والتحريف، والتنطّع، ولم يعط للمبتدعات في العبادة حق البقاء، وإن ظهرت يوما بفعل الجهل، والهوى أو استمرت زمنا بتأييد المستغلين للدين، أو المتاجرين باسمه.
ولهذا لم يخل قطر من الأقطار، ولا عصر من الأعصار، من إناس يدعون إلى السنة، ويقاومون البدعة، غير مبالين بما يصيبهم من الأذى في سبيل الله.
كما أن عبادات الإسلام الكبرى بقيت في جوهرها، وأصولها سالمة من
(1) رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.