من شعب إلى آخر، وفي الشعب الواحد من فئة إلى أخرى، وفي الفئة الواحدة من فرد إلى آخر، بل في الفرد الواحد من حالة إلى أخرى، ومن وقت إلى آخر.
فكثيرا ما رأينا تفكير الفرد، في مرحلة الشباب يناقض تفكيره في مرحلة الكهولة، أو الشيخوخة، وكثيرا ما وجدنا آراءه ساعة الشدة والفقر، تخالف آراءه في ساعة الرخاء والغنى.
فإذا كانت هذه هي طبيعة العقل البشري، وضرورة تأثره بالزمان والمكان، والأوضاع، والأحوال، فكيف نتصور براءته من التناقض والاختلاف، فيما يضعه من مناهج للحياة، سواء كانت مناهج للتصور والاعتقاد، أم للعمل والسلوك؟! إن الاختلاف والتناقض لازمة من لوازمه لا ريب، وصدق الله العظيم إذ يشير إلى ذلك فيقول: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] .
ومن مظاهر هذا التناقض، ما نراه ونلمسه في كل الأنظمة البشرية والدينية، الوضعية والمحرّفة، من إفراط أو تفريط، كما هو واضح من موقفها من الروحية والمادية، أو من الفردية والجماعية، أو من الواقعية والمثالية، أو من العقل والقلب، أو من الثبات والتطور وغيرها من المتقابلات، التي وقف كل مذهب أو نظام عند طرف منها مغفلا الطرف الآخر، أو جائرا عليه.
والسر في هذا - بعد القصور البشري العام - أن تفكير الإنسان في وضع فلسفة أو منهاج، أو مذهب، غالبا ما يكون نتيجة - مباشرة أو غير مباشرة - لردّ فعل، وانعكاسا لأوضاع آنية وأحوال بيئية، تؤثر في تصوّره للأشياء، وحكمه على الأمور، شعر أم لم يشعر، شاء أم لم يشأ.
ولا يستطيع منصف أن ينَزِّه أكابر الفلاسفة - وإن توافر فيهم الإخلاص