الربوبية حقها، وزاحموا الألوهية في سلطانها، واتخذوا من عباد الله عبادا لهم، وهم مخلوقون مثلهم، يجري عليهم من سنن الله ما يجري عليهم.
ولا غرو أن أنكر القرآن الكريم على أهل الكتاب تنازلهم عن حريّتهم التي ولدوا عليها، ورضاهم بالعبودية لأحبارهم ورهبانهم، الذين أصبحوا يملكون سلطة التشريع لهم، أمرا ونهيا، وتحليلا وتحريما، دون أن يكون لأحد حق في اعتراض أو نقد أو مراجعة، وقد دمغ القرآن أهل الكتاب لذلك بالشرك وعبادة غير الله.
وفي هذا يقول القرآن الكريم: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] .
ولما كانت دعوة الإسلام دعوة تحرير شامل للإنسان من العبودية لغير الله، وجدنا القرآن الكريم يوجّه نداءه إلى أهل الكتاب كافة أن يتحرروا من هذه العبودية لغير الله، وأن يفردوا الله وحده بالعبادة والخضوع، وذلك في قوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] .
وبهذه الآية، كان يختم النبي - صلى الله عليه وسلم - رسائله إلى ملوك النصارى وأمرائهم.