من خَلْقِ الله يتصرف بأمره. أو معنى الكوكب، قيل: هذا الذي نشاهده بالليل. وعلى هذا، وقع البيان في الشريعة، كما قال - عليه الصلاة والسلام: «اَلْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» (1) . ففسّره بلازمه الظاهر لكل أحد .. وقد بيّن - عليه الصلاة والسلام - الحج بفعله وقوله على ما يليق بالجمهور، وكذلك سائر الأمور، وهي عادة العرب، والشريعة عربية. ولأن الأمة أمّيّة - أي أمة فطرية - فلا يليق بها من البيان إلا الأمّيّ أي السهل.
وأما التعمق الذي لا يليق بالجمهور، فلم يعتبره الشرع، لأن مسالكه صعبة المرام: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] كما إذا طُلِب معنى الملك. فأحيل على معنى أغمض منه:"ماهية مجردة عن المادة أصلا"، أو يقال: ما الكوكب؟ فيجاب بأنه:"جسم بسيط طري، مكانه الطبيعي نفس الفلك .. إلخ". وما أشبه ذلك من الأمور التي لا تعرفها العرب، ولا يوصل إليها إلا بعد قطع أزمنة في طلب تلك المعاني، ومعلوم أن الشارع لم يقصد إلى هذا ولا كلف به.
ومثل هذا يقال في الاستدلال، فالذي يليق منه بالجمهور ما كانت مقدمات الدليل فيه ضرورية أو قريبة من الضرورية، وهو الذي نبّه القرآن على أمثاله، كقوله تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ؟} [النحل: 17] ، {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79] إلى غير ذلك من الآيات.
قال الشاطبي:"وعلى هذا النحو مضى السلف الصالح في بث الشريعة للمؤالف والمخالف. ومن نظر في استدلالالهم على إثبات الأحكام التكليفية؛ علم أنهم قصدوا أيسر الطرق وأقربها إلى عقول الطالبين، لكن من غير ترتيب متكلف، ولا نظم مؤلف، بل كانوا يرمون بالكلام على عواهنه،"
(1) رواه مسلم.