فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 317

ولا يبالون كيف وقع في ترتيبه، إذا كان قريب المأخذ، سهل الملتمس" (1) ."

وإذا صدق هذا في أمور الشريعة كلها، فإن العبادات - بوجه خاص - أولى شيء بهذا التبسيط، وتجنب التكلف والتعقيد.

إن كل تعقيد في تعليم العبادات لا ينفر منها، ويصيبها بالجفاف والعقم فحسب، بل هو ضرر مؤكد على تعليم شرائع الإسلام وآدابه الأخرى، وفقا للمبدأ المعروف:"كل إسراف لا بد أن يكون بجانبه حق مضيع".

وإني لأذكر واقعة حدثت لي تبين هذا المعنى بجلاء: كان الشهر شهر رمضان، وكانت الليلة السابعة عشرة منه، أعني: الليلة التي كانت صبيحتها غزوة بدر الكبرى، وقد دُعيت في إحدى القرى لألقي موعظة هناك في هذه الذكرى. وتقبّل الجمهور كلمتي بقبول حسن، وعرفوا بعض ما كانوا يجهلون من تاريخ دينهم وسيرة نبيّهم، ولكن رجلا واحدا هو الذي لم يعجبه هذا الموضوع كله، ذلك هو أحد عجائز الشيوخ الذين يعلّمون الناسَ الدينَ في الريف، وهو الإمام لهذا المسجد الذي أخطب فيه. إن الرجل لم يكن يعرف هذا اللون من الأحاديث الدينية. إنه كغيره - ممن رأيت بعيني وسمعت بأذني - يظل يُدرّس للناس طيلة ليالي رمضان، في آداب الاستنجاء، وفرائض الوضوء وسننه، ومستحباته، ونواقضه، وأعذاره، والمياه التي يجوز بها التطهير، والتي لا يجوز، إلى آخر ما نعرف في لغة الفقه، وينتهي الشهر الكريم، والمسكين لم يخرج بعد من دورة المياه!!

قال الشيخ: حديثك عظيم يا أستاذ، ولكن، أَمَا كان الأنفع أن يتعلم الناس في هذه الليلة شيئا من أمور دينهم؟!

قلت له: وسيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغزواته، أليست من أمور دينهم؟! لقد قال سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه: كنا نُرَوِّي أبناءنا مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما نعلّمهم السورة من القرآن!

قال: أقصد أن يتعلموا كيفية الوضوء والغسل، ويعرفوا شروط ذلك

(1) الموافقات للشاطبي (1/ 70 - 71) طبعة أولى لدار ابن عفان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت