فيها إلا التلقي والتنفيذ، وتلك هي الشعائر التعبدية التي لا يخلو دين منها، وبها يمتحن الله عباده، وبها تظهر حقيقة العبودية، حيث لا يبدو للعباد فيها حظ شخصي لأول وهلة.
أما النوع الثاني: فهو يشمل الأحكام التي تنظم علاقات الناس بعضهم ببعض في حياتهم ومعايشهم ومبادلاتهم، فهذه العلاقات والنشاطات لم ينشئها الشرع، بل هي موجودة قبله، ومهمة الشارع هنا: أن يعدلها، ويهذبها ويقر الصالح منها، والنافع، ويمنع الفاسد الضار.
وبهذا يتبين لنا أن موقف الشرع من النوع الأول الذي سماه الفقهاء"العبادات"غير موقفه من النوع الثاني الذي سموه"المعاملات"فهو في الأولى منشئ مخترع، وليس من حق غيره أن ينشئ أو يبتدع صورا للعبادة من عند نفسه لم يأذن بها الله، وفيه جاءت بذلك الأحاديث: «مَنْ أَحْدَثَ فِيْ دِيْنِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» ، «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» .
وهو في الثانية مصلح لما أنشأه الناس وأوجدوه فعلا.
وبناء على هذا قرروا أن الأصل في العبادات الحظر والمنع، حتى لا يشرع الناس في الدين ما لم يأذن به الله، أما في العادات والمعاملات فالأصل فيها الإباحة (1) .
وهناك فائدة أخرى لهذا التقسيم، نبه عليها الإمام الشاطبي وغيره، وهي: أن الأصل في جانب العبادات هو التعبد، دون الالتفات إلى المعاني والمقاصد، أما العادات أو المعاملات فالأصل فيها الالتفات إلى ما وراءها من المعاني والحكم والمقاصد.
فإذا أمر الشارع مثلا بذبح الهدي في الحج، فهذا أمر تعبدي لا يجوز
(1) انظر كتابنا:"الحلال والحرام"، ص 21، طبعة خامسة، قاعدة:"الأصل في الأشياء والتصرفات الإباحة".