فهرس الكتاب
الأمة عليها؟ قال الإمام مالك: يا أمير المؤمنين، إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة، كل يتبع ما صح عنده، وكل على هدى، وكل يريد الله تعالى" (1) ."
أين هذا الفقه من الإخوة الكرام الذين يفاصلون المسلمين، ويجعلون المختلف فيه مساوٍ للمتفق عليه، حتى كاد الواحد منهم أن يجعل الفرع ركنا من الأركان؛ .. أين هذا الفقه العظيم من الذين يختلفون مع الناس في هيئات الصلاة، وطريقة القيام من السجود، ومنطوق الأذان، وقصر الثوب، والقتوت، وقراءة القرآن في المسجد، والأذانان يوم الجمعة، والشرب وقوفا، والتبوّل وقوفا، والنقاب، والحجاب، والأخذ من اللحية، فضلا عن حلقها بفقهها .. ليت الشباب يفقه هذا كله، ولا يختلف في هذه الأمور، كما بين علماء السلف الصالح من هذه الأمة، ورضوان الله على شهيد الإسلام الإمام حسن البنا حين جمع الأمة على هذه القاعدة:"نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه من أحكام فرعية، فأي فقه هذا الذي وهبه الله لهذا الإمام الشهيد."
ولقد أصاب التزمت الأمة الإسلامية في فترة من الفترات باسم التعبد، وساد المجتمع نوع من الجهل بالدين بعد أن أشاع العلمانيون فصل الدنيا عن سياسة الدين، وانزوى الناس في فهم الدين داخل دائرة ضيقة أصيبوا فيها بمرض التزمت الذي أدى إلى الاختلاف في الفروع والتعصب لها إلى درجة هلهلت المجتمع وفككت عراه، ولقد عاش الشيخ حسن البنا هذه الأمة في الإسماعيلية، فقد شعر في إحدى الليالي من ليالي درسه الذي ذاع صيته وانتشر بين الناس، وأقبلوا عليه برغبة وشوق، شعر بروح غريبة، روح تفرقة، فلم يكد يبدأ درسه حتى فوجئ بسؤال: ما رأي الأستاذ في مسألة التوسل؟ يقول الشيخ حسن البنا: فقلت له: يا أخي، أظنك لا تريد أن تسألني عن هذه المسألة وحدها، ولكنك تريد أن تسألني كذلك في الصلاة والسلام بعد الأذان؟ وفي قراءة سورة الكهف يوم الجمعة؟ وفي لفظ السيادة للرسول - صلى الله عليه وسلم - في التشهد؟ وفي أبوَيّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأين مقرهما؟ وفي قراءة القرآن: هل يصل ثوابهما إلى الميت أو لا يصل؟ وفي هذه الحلقات التي يقيمها أهل
(1) يجب أن نلاحظ أن الاختلاف في الدين منهي عنه، لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159] ، وقوله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ... } [آل عمران: 104] ، وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِيْ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِيْنَ فِرْقَةً ... الحديثَ» ، ولكن الخلاف في الفروع أمر ثابت أقرّه الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه اختلاف فقه، أي فهمه، فقد أقرّ - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العصر في بني قريظة وغيرها، واختلاف الأئمة من بعدهم، ووضع علم أصول الفقه كضابط للاختلاف والاجتهاد، ومن هنا، لا يجوز اعتبار الاختلاف الفقهي في الفروع اختلاف تفرق، وليس من الدين، وهكذا كان فهم أهل السنة والجماعة، لأن المجتهد مأجور، سواء أصاب أم أخطأ، كما بيّن لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك.