الطرق، وهل هي معصية أو قربة إلى الله؟
وأخذ الشيخ البنا يسرد له مسائل الخلاف التي أصابت الحياة الإسلامية في ذلك الزمان، وإن كانت لا تزال - والتي كانت مثار فتنة وخلاف شديد.
ثم قال له: يا أخي، إني لست بعالم، ولكني رجل مدرّس مدني، أحفظ بعض الآيات القرآنية، وبعض الأحاديث النبوية الشريفة، وبعض الأحكام الدينية، وأتطوع بتدريسها للناس، فإذا خرجت بي عن هذا النطاق، فقد أحرجتني، ومن قال: لا أدري، فقد أفتى، فإذا أعجبك ما أقول، ورأيتَ فيه خيرا، فاسمع مشكورا، وإذا أردت التوسع في المعرفة، فَسَلْ غيري من العلماء الفضلاء المختصين، فهم يستطيعون إفتاءك فيما تريد، وأما أنا، فهذا مبلغ علمي، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
وارتاح الرجل لهذه الإجابة، وارتاح الحاضرون، ثم التفت إليهم قائلا: إن هذه المسائل، اختلف فيها المسلمون منذ مئات السنين، ولا زالوا مختلفين، والله تبارك وتعالى يرضى منا الحب، والوحدة، ويكره منا الخلاف، والفرقة، فأرجو أن تعاهدوا الله على أن تدَعوا هذه الأمور وتجتهدوا في أن نتعلم جميعا أصول الإسلام وقواعده، وأن نعمل بأخلاقه، وفضائله العامة، وإرشاداته المجمع عليها، وأن نؤدي الفرائض والسنن، وأن ندَع التكلف والتعمق، حتى تصفو النفوس، ويكون غرضنا جميعا معرفة الحق، لا مجرد الانتصار للرأي. وحين نتدارس هذه الشؤون كلها معا في ظل الحب، والثقة، والوحدة، والإخلاص، وأرجو أن تتقبلوا مني هذا الرأي، ويكون عهدا فيما بيننا على ذلك!! ولقد كان عهدا، فلم يخرج واحد من درس تلك الليلة إلا وقد عاهد الله على أن تكون وجهته التعاون وخدمة الإسلام الحنيف، والعمل له يدا واحدة، وطرح أسباب الخلاف - ومن هنا، يجب على الداعي إذا ابتلي بمجادل يريد أن يطعن في كلامه، ليظهر الخلل فيه بقصد (1) الإهانة والتحقير، أو ابتلي بمن يريد أن يشوه ما تدعو إليه بقصد العلو والكبرياء والانتصار للرأي، فعليه أن يتخذ موقفا حكيما، ومخرجا حسنا.
عليه أن يجادل بالتي هي أحسن، فليس الجدال كله مذموما، لأن الله يقول: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] ، وها هي ذا خولة بنت ثعلبة تجادل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيسمعها ربها من فوق سبع سماوات، ويقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1] .
فإن كان الجدال في الأصول والمنهج، فلا ينشغل المسلم بهذا الجدال، فلا ضرورة لإضاعة الوقت والجهد إلا أن يكون المجادل يبحث عن الحق فعلا؛ لأن الجدال يجري مع
(1) نحن لا نعلم بالطبع النيات والمقاصد، وإنما نكلها إلى الله تعالى، ولكن إذا ظهر من المجادل أنه يكابر ويجادل بالباطل، فهنا يتحدد الموقف.