وسموا أخاها بلقيمة الراحة وسموا الربا بالمعاملة وسمو المكوس بالحقوق السلطانية وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان وسموا أبلغ الكفر وهو جحد صفات الرب تنزيها وسموا مجالس الفسوق مجالس الطيبة فلما سماها شجرة الخلد قال: مانها كما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا منها فتخلدا في الجنة ولا تموتا فتكونان مثل الملائكة الذين لا يموتون ولم يكن آدم عليه السلام قد علم أنه يموت بعد واشتهى الخلود في الجنة وحصلت الشبهة من قول العدو وإقسامه بالله جهد أيمانه أنه ناصح لهما فاجتمعت الشبهة والشهوة وساعد القدر فأخذتهما سنة الغفلة واستيقظ لهما العدو كما قيل:
واستيقظوا وأراد الله غفلتهم ... لينفذ القدر المحتوم في الأزل إلا أن هذا الجواب يعترض عليه قوله او تكونا من الخالدين
فيقال: الماكر المخادع لا بد أن يكون فيما يمكر به ويكيد من التناقض والباطل ما يدل على مكره وكيده ولا حاجة بنا إلى تصحيح كلام عدو الله واعتذار عنه وإنما يعتذر عن الأب في كون ذلك راج عليه وولج سمعه فهو لم يجزم لهما بأنهما إن أكلا منها صارا ملكين وإنما ردد الأمر بين أمرين: أحدهما ممتنع والآخر: ممكن وهذا من أبلغ أنواع الكيد والمكر ولهذا لما أطمعه في الأمر الممكن جزم له به ولم يردده فقال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى [ ] فلم يدخل أداة الشك ههنا كما أدخلها في قوله: إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين [ الأعراف: 20 ] فتأمله ثم قال: وقاسمهما إني لكما من الناصحين [ الأعراف: 21 ]
فتضمن هذا الخبر أنواعا من التأكيد:
أحدها: تأكيده بالقسم
الثاني: تأكيده بإن
الثالث: تقديم المعمول على العامل إيذانا بالاختصاص أي نصيحتي مختصة بكما وفائدتها إليكما لا إلي
الرابع: إتيانه باسم الفاعل على الثبوت واللزوم دون الفعل الدال على التجدد: أي النصح صفتي وسجيتي ليس أمرا عارضا لي