فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 3717

ويقال لمورد هذا السؤال: هذا يوجب عليك أن لا تباشر سببًا من الأسباب التي تجلب بها منفعة، أو تدفع بها مضرَّة، لأن المنفعة والمضرة إن قُدِّرتا، لم يكن بُدٌ من وقوعهما، وإن لم تُقدَّرا لم يكن سبيل إلى وقوعهما، وفي ذلك خراب الدين والدنيا، وفساد العالَم، وهذا لا يقوله إلا دافع للحق، معاند له، فيذكر القدر ليدفع حجة المحق عليه، كالمشركين الذين قالوا: (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا) (الأنعام: 148) ، و (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيءٍ نحن ولا آباؤنا) (النحل: 35) فهذا قالوه دفعًا لحجة الله عليهم بالرسل.

وجواب هذا السائل أن يقال: بقي قسم ثالث لم تذكره، وهو أن الله قدَّر كذا وكذا بهذا السبب، فإن أتيت بالسبب حصل المسبَّب، وإلا فلا.

فإن قال: إن كان قدَّر لي السبب، فعلته، وإن لم يُقدِّره لي لم أتمكن من فعله.

قيل: فهل تقبل هذا الاحتجاج من عبدك، وولدك، وأجيرك إذا احتج به عليك فيما أمرتَه به ونهيته عنه فخالفك؟ فإن قبلته، فلا تلم مَن عصاك، وأخذ مالك، وقذف عِرضك، وضيَّع حقوقك. وإن لم تقبله، فكيف يكون مقبولًا منك في دفع حقوق الله عليك. وقد روي في أثر إسرائيلي: أن إبراهيم الخليل قال: يا ربِّ؛ ممن الداء؟ قال: منّي، قال: فممن الدواء؟ قال: منّي. قال فما بال الطبيب؟ قال: رجل أُرسل الدواء على يديه.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (لكل داء دواء) تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواءً يزيله، تعلَّق قلبه بروح الرجاء، وبردت عنده حرارة اليأس، وانفتح له باب الرجاء، ومتى قويت نفسه انبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سببًا لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية، ومتى قويت هذه الأرواح، قويت القوى التي هي حاملة لها، فقهرت المرض ودفعته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت