فهرس الكتاب

الصفحة 824 من 3717

وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله من عادى لي وليا [فقد بارزني بالمحاربة] (1) أو فقد آذنته بالحرب وما تقرّب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه» وهذا أصح حديث يُروي في الأولياء فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه من عادى وليا لله فقد بارز الله بالمحاربة. (2)

(1) شيخ الإسلام دائما استدلاله بالأول (فقد بارزني بالمحاربة) وهذا اللفظ ليس في كتب الصحاح، إنما هو عند أبي نعيم، وعند غيره من الكتب غير المشهورة، ولعله أخذها من بعض المستخرجات على الصحيح كمستخرج أبي عوانة، أو مستخرج الإسماعيلي البخاري ونحو ذلك، لأنه عنده عناية بالجمع بين الصحيحين للحميدي. المقصود أن هذا اللفمظ مما يعترض به على شيخ الإسلان كثيرا لأن هذا اللفظ غير معروف (فقد بارزني بالمحاربة) ، واللفظ المعروف في الصحيحين (فقد آذنته بالحرب) هذا هو المعروف في الحديث المسمى حديث الولي.

(2) هذا القول في أوائل هذا الفصل فيه البيان على أنّ الله جل وعلا فرق بين أولياء الله وأولياء الشيطان، فكونه سبحانه يذكر في القرآن أنّ لله أولياء وأنّ للشيطان أولياء، ثم لا يفرق بين هؤلاء وهؤلاء بالصفات بما يُعلم به هؤلاء وهؤلاء، هذا ممتنع؛ لأن الله جل جلاله جعل هذا القرآن فرقانا ? تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ? [الفرقان:1] فهو فرقان بين الأشياء المتقابلة التي قد تلتبس، ومن ذلك وصف أولياء الرحمن ووصف أولياء الشيطان، فالفرقان قائم بين هذين الحزبين وبين هاتين الطائفتين، هؤلاء لهم صفات وهؤلاء لهم صفات، أعظم ما في القرآن من وصف أولياء الله جل وعلا في آية سورة يونس التي استدل وبها وهي قوله تعالى ?أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ? [يونس:62-63] فبيّن جل وعلا أنّ الأولياء هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، ومن المتقرر أنّ الإيمان يتبعض وأنّه درجات بعضها فوق بعض، وأنّ التقوى كذلك تتبعض والناس فيها مختلفون كلٌّ يأخذ منها بحسب ما يُسِّر له، فنتج من ذلك أن الأولياء أيضا ليسوا على مرتبة واحدة، بل هم مراتب فصفات الأولياء التي تجمعهم أنهم المؤمنون المتقون، والمؤمن هو المؤمن بالله ورسوله وبكتابه، فلا يُتصور من الولي الخروج عن أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم وأمر كتاب الله لأهواء ولآراء، بل هو متبع للكتاب والسنة، كذلك لا يُتصور في الولي أنه صاحب كبيرة أو صاحب إصرار على الصغائر واستمرار فيها؛ لأن التقوى هي صفته التي لازمته (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) والتعبير أواستعمال (كَانُوا يَتَّقُونَ) يفيد ثبات هذه الصفة. فإذا كان كذلك، كان وصف الأولياء في القرآن أنهم المؤمنون المتقون.

أما وصفهم في السنة فقد جاء بأكثر تفصيلا في حديث الولي المعروف وهو ما رواه البخراري رحمه الله وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال « يقول الله تعالى من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه» هنا الفرائض أحب إلى الله جل وعلا من النوافل، وزيادة تقرب العبد بالنوافل سبب في محبة الله جل وعلا لعبده قال «فإذا أحببته كنت سمعَه الذي يسمع به» سمعَه يعني يسدد في سمعه، كان الله سمع الولي يعني سدده في سمعه فلا يسمع إلا ما يحب ربه ومولاه «وبصره الذي يبصر به» يعني أسدده في بصره فلا يبصر إلا ما أحب، ولا يستأنس في بصره إلا بما أحب «ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها» يعني يسدد في هذا كله؛ فلا يبطش بيده إلا فيما أذن الله جل وعلا به، ولا يمشي برجله إلا بما يحب الله جل وعلا، قال «ولئن سألني لأعطينه» يعني أنه مجاب الدعاء «ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه» التردد هنا، تكلم عليه أهل العلم بكلمات وأصح ذلك أن التردد مثل الصفات الأخر التي هي صفة المكر والاستهزاء ونحو ذلك من جهة أنّه يكون نقصا ويكون كمالا:

فيكون نقصا إذا كان التردد مع عدم علم بالعاقبة؛ لأنّه يكون من نتائج الجهل، فالمتردد يتردد ويكون نقْصا في حقه أنه تردد؛ لأنه لا يعلم العاقبة، أو لخوفه وعدم جرأته على الأمر، أو لعدم قدرته عليه؛ يشك هل هو يقدر أو لا يقدر، أو هل سيقوى أو لا يقوى، وعدم علمه بالعاقبة هي سبب هذا التردد، وهذا التردد نقص وهذا منفي عن الله جل وعلا.

والنوع الثاني وهو تردد بين أمرين كل منهما هو حق ومحمود في نفسه، لكن يختلف الإختيار بحسَب تعلقه بالمختار له، مثل -في حياة البشر- تريد أن تشتري لمن تحب شيئا، تردد بين هذا وهذا لا من جهة عدم علمك بالأفضل، ولكن من جهة الإكرام...، هذا التردد ليس بنقص، أنت الآن بين كرم وبين أكرم، فهذا ليس نقصا، هذا تردد فيما يناسب المختار له، هذا هو الذي من جنسه جاء هذا الحديث، (وما ترددت في شيء أنا فاعله) هذا التردد الحق، التردد الذي هو كمال الذي لا نقص فيه، بوجه من الوجوه.

هذا من أحسن الأجوبة على ذلك وهو طريقة المحققين.

( السمع والبصر معنويان؛ يعني نوعان من أنواع الإدراكات معنويان، تشوف السمع؟ ما تشوفه، تشوف البصر؟ ما تشوفه، لكن اليد والرجل هذا ظاهران، فمثل بشيئن معنويين وبشيئين ظاهرين، وهذا له نظائر في القرآن ?أم تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ? [الفرقان:44] ، ? وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا? [الأعراف:179] ، وكقوله في آخر السورة?أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ? [الأعراف:191-192] إلى آخر الآيات، المقصود من ذلك أنه يُرد التمثيل بالحواس، فهذا ليس المراد به الحصر؛ كنت سمعه وبصره وأيضا لسانه وفهمه وتفكيره، خذ فيه رواية موضوعة يستدل بها الصوفية وهي مكذوبة في هذا الحديث بعد قوله (ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وحتى يقول للشيء كن فيكون) ، هذه موجودة في بعض كتب الحديث مسندة لكنها موضوعة، يستدل بها بعض الصوفية في أن الله جل وعلا يُعطي الأولياء ملكوته يتصرفون فيه بما يريدون، وهذا باطل من جهة الإستدلال وباطل من جهة الأصول القطعية على أنّ الله جل وعلا لا ينازعه أحد في ملكه وليس له شريك في مُلكه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت