فهرس الكتاب

الصفحة 834 من 3717

وأن النبي صلى الله عليه وسلم تواجد حتى سقطت البردة عن منكبه، فإنه كذب باتفاق أهل العلم بالحديث، وأكذب منه ما يرويه بعضهم أنه مزق ثوبه، وأن جبريل أخذ قطعة منه فعلقها على العرش، فهذا وأمثاله مما يعرف أهل العلم والمعرفة برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أظهر الأحايث كذبا عليه صلى الله عليه وسلم. وكذلك ما يروونه عن عمر رضي الله عنه أنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يتحدثان وكنت بينهما كالزنجي، وهو كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. والمقصود هنا أنه فيمن يقر برسالته العامة في الظاهر ومن يعتقد في الباطن ما يناقض ذلك فيكون منافقا وهو يدَّعي في نفسه وأمثاله أنهم أولياء الله مع كفرهم في الباطن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، إما عنادا، وإما جهلا، كما أن كثيرا من النصارى واليهود يعتقدون أنهم أولياء الله، وأن محمدا رسول الله، لكن يقولون إنما أرسل إلى غير أهل الكتاب، وأنه لا يجب علينا إتباعه لأنه أرسل إلينا رسلا قبله فهؤلاء كلهم كفار مع أنهم يعتقدون في طائفتهم أنهم أولياء الله، وإنما أولياء الله الذين وصفهم الله تعالى بوَلايته بقوله?أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ? [يونس:62-63] ، ولابد في الإيمان من أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، (1)

(1) هذا الكتاب هو كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان والله جل وعلا فرق بين هؤلاء وهؤلاء؛ فوصف أولياء الرحمن ووصف أولياء الشيطان، وما ذكره المصنف في هذا المقطع الذي قرأنا فيه بيان أنّ الكفار من أولياء الشيطان، وأنّ المنافقين في هذه الأمة نظروا إلى الوَلاية؛ ولاية-الشريط مقطوع- وما يحصل لهم من أشياء يعجز عنها من حولهم حتى زعموا أن محمدا عليه الصلاة والسلام لم يكن مختصا بهذا العِلم الذي جاء، بل من الصحابة من كانوا في منزلته في العلم بل هناك بعضهم من هو أرفع منه، كما يقوله طائفة، فزعموا أنّ العلوم الخاصة غير العلوم العامة وأن هناك العلوم الباطنة جعلها الله سبحانه الفقراء، ولهذا مثّل بأهل الصفة والمقصود بالتمثيل بالفقراء، والاعتقاد بالفقراء، وهذا كثير في البلاد الإسلامية فيظنون ملازمة الولاية للفقر، وأنّ الولي لابد أن يكون فقيرا متنكبا عن الدنيا، وهذا باطل بل سادة أولياء الله جل وعلا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلمالعشرة المبشرون بالجنة في مجلس واحد، ومنهم أبو بكر رضي الله عنه وكان غنيا, وعمر رضي الله عنه وكان غنيا, ومنهم عثمان وكان غنيا, ومنهم عبد الرحمن بن عوف وكان غنيا، ومنهم سعد وكان غنيا.

فوصف الغنى والفقر ليس من الأوصاف التي يكشف بها الولي، فمن ظن أن وَلاية أهل الصفة كانت من جراء كونهم فقراء فقط، فهذا ليس بصحيح، بل الوَلاية كما قال الله جل وعلا ?أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ? [يونس:62-63] ، فالولي هو كل مؤمن تقي وليس بنبي، وليس من أوصافه أن يكون فقيرا أو أن يكون من حاله كذا وكذا، في أمر دنياه، بل الولاية راجعة إلى أمر الدين إلى أمر اتباع الشريعة، وأولياء الله جل وعلا ليس لهم علوم خاصة بل علومهم تابعة للشرع تابعة لمحمد صلى الله عليه وسلم، فليسوا محدَّثين بأشياء ليست عند النبي عليه الصلاة والسلام، بل علمهم منُوط بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وقد ذهب بعض المتأخرون من الجهال أنّ هناك من أولياء الله من يأخذون من المعدن الذي أخذ منه الملَك مباشرة، يقولون: الولي يأخذ عن الله مباشرة أما النبي صلى الله عليه وسلم فيأخذ عن الله جل وعلا بواسطة جبريل. كما ذكر ابن عربي وكما ذكر غيرُه قال: الولي ياخذ من المعدن الذي أخذ منه المعدن مباشرة. يعني فلا يحتاج إلى واسطة، ففضُل بهذا عن النبي، وقالوا الولي يمكن أن يخرج عن شريعة النبي لأنه في الظاهر متبع للنبي، لكنه في الباطن يتلقى تلقيا خاصا، ولهذا زعموا بأن هناك من تسقط عنه التكاليف، وأنّ هناك من يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما وسِع الخضر الخروج عن شريعة موسى.

وهذا الإعتقاد في جهّال المسلمين من قديم، وفي زمن الدعوة كان هذا موجودا في نجد؛ الاعتقاد في الصوفية وفي الفقراء وربما أنهم فعلوا أشياء خارجة عن الشريعة ويبقون على وَلاتهم، كما ذكر الشيخ رحمه الله في النواقض -نواقض الإسلام- أن من النواقض أن أحدا من الخلق يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى. هؤلاء الجهال يعتقدون في المجانين و يعتقدون في الفقراء و يعتقدون في الشياطين، وربما جعلوهم أقطابا أو جعلوهم أوتادا أو جعلوهم أبدالا أو جعلوهم نجباء إلى آخره، فتجدهم يقولون مثلا الغوث الأكبر واحد، وكل غوث له أقطاب أربعة في الأرض، لكلّ واحد منهم قسم من الأرض، ولكل واحد من هذه الأربعة سبعة، ولكل واحد من هذه السبعة أربعون، فلن تصل إلى الغوث إلا عن هذه الطريقة. وصنفت المصنفات في ذلك في ذكر الأربعين ولي في مصر، أو الأربعين وتد في المغرب، هذه مصنفات موجودة، عندهم أن الأربعين هؤلاء يرفعون إلى السبعة، والسبعة يرفعون إلى الأربعة، والأربعة يرفعون إلى الغوث، والغوث يطلب من الله جل جلاله، فهؤلاء إذا تأملت أسماءهم وتراجمهم وهي موجودة وجدت أنه كما ذكر شيخ الإسلام أنهم من المنافقين، أو من المجانين، فلا يصح أن يكونوا أولياء فضلا أن يكونوا من سادة الأولياء أو من المقدمين. وهذه الألفاظ أقطاب، أبدال، نجباء إلى آخره، الغوث، كلها لم ترد في الكتاب والسنة، وإنما جاء لفظ الأبدال في بعض الأحاديث، وإنْ كان في إسنادها شيء، ومن حسنها فالمعنى واضح؛ فإنّ الأبدال هم الذين يأتي طائفة منهم بدل من قبلكم أبدال بمعني أنهم يبدلون بغيرهم ويبدل غيرهم بهم، وهذا كما قال عليه الصلاة والسلام «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله» . نكتفي بهذا القدْر وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت