فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 449

ثم قال تبارك وتعالى:"فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لا نفضوا من حولك"أي لتركوك"فاعف عنهم": أي فتجاوز عنهم"واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين"فذكر لنبيه صلى الله عليه وسلم لعفته لهم وصبره عليهم لضعفهم وقلة صبرهم على الغلظة لو كانت منه عليهم في كل ما خالفوا عنه مما افترض عليهم من طاعة نبيهم صلى الله عليه وسلم ثم قال تبارك وتعالى:"فاعف عنهم": أي تجاوز عنهم"واستغفر لهم"ذنوبهم من قارف من أهل الإيمان منهم"وشاورهم في الأمر": أي لتريهم أنك تسمع منهم وتستعين بهم وإن كنت غنيًا عنهم تألفا لهم بذلك على دينهم"فإذا عزمت"أي على أمر جاءك مني وأمر من دينك في جهاد عدوك لا يصلحك ولا يصلحهم إلا ذلك فامض على ما أمرت به على خلاف من خالفك وموافقة من وافقك"وتوكل على الله"أي ارض به من العباد"إن الله يحب المتوكلين إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده"أي لئلا تترك أمري للناس وارفض أمر الناس إلى أمري وعلى الله لا على الناس فليتوكل المؤمنون.

ثم قال"وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأتي بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون": أي ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم عن رهبة من الناس ولا رغبة ومن يفعل ذلك يأت يوم القيامة به ثم يجزى بكسبه غير مظلوم ولا معتد عليه"أفمن اتبع رضوان الله"على ما أحب الناس أو سخطوا"كمن باء بسخط من الله"لرضا الناس أو لسخطهم يقول: أفمن كان على طاعتي فثوابه الجنة ورضوان من الله كمن باء بسخط من الله واستوجب سخطه"ومأواه جهنم وبئس المصير"أسواء المثلان! فاعرفوا"هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون"لكل درجات مما عملوا في الجنة والنار: أي إن الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته.

ثم قال"لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبله لفي ضلال مبين"أي لقد من الله عليكم يا أهل الإيمان إذ بعث فيكم رسولًا من أنفسكم يتلوا عليكم آياته فيما أحدثتم وفيما عملتم فيعلمكم الخير والشر لتعرفوا الخير فتعملوا به والشر فتتقوه ويخبركم برضاه عنكم إذا أطعتموه فتستكثروا من طاعته وتجتنبوا ما سخط منكم من معصيته ولتتخلصوا بذلك من نقمته وتدركوا بذلك ثوابه من جنته"وإن"كنتم"من قبل لفي ضلال مبين": أي لفي عمياء من الجاهلية أي لا تعرفون حسنة ولا تستغفرون من سيئة صم على الخير بكم عن الحق عمي عن الهدى.

ثم ذكر المصيبة التي أصابتهم فقال:"أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم: أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير"أي إن تك أصابتكم مصيبة في إخوانكم بذنوبكم فقد أصبتم مثليها قبل من عدوكم في اليوم الذي كان قبله ببدر قتلًا وأسرًا ونسيتم معصيتكم وخلافكم عما أمركم به نبيكم صلى الله عليه وسلم أنتم أحللتم ذلك بأنفسكم"إن الله على كل شيء قدير"أي إن الله على ما أراد بعباد من نقمة أو عفو قدير"وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين"أي ما أصابكم حين التقيتم أنتم وعدوكم فبإذني كان ذلك حين فعلتم ما فعلتم بعد أن جاءكم نصري وصدقتكم وعدي ليميز بين المؤمنين والمنافقين"وليعلم الذين نافقوا"منكم: أي ليظهر ما فيهم"وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا": يعني عبد الله بن أبي وأصحابه الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار إلى عدوه من المشركين بأحد وقولهم: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم ولدفعنا عنكم ولكنا لا نظن أنه يكون قتال فأظهر منهم ما كانوا يخفون في أنفسهم يقول الله عز وجل:"هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم"أي يظهرون لك الإيمان وليس في قلوبهم"والله أعلم بما يكتمون": أي ما يخفون"الذين قالوا لإخوانهم"الذين أصيبوا معكم من عشائرهم وقومهم:"لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين": أي أنه لا بد من الموت فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله حرصًا على البقاء في الدنيا وفرارًا من الموت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت