(قال) : ومن اعترف بحق فصالح على بعضه لم يكن ذلك صلحًا، لأنه هضم للحق.
(ش) : من اعترف بحق وصالح على بعضه فله حالتان، إحداهما: أن يمتنع من الأداء إلا بالمصالحة، فهذا ليس بصلح صحيح، لما علل به المصنف من أنه هاضم للحق آكل لمال الغير بامتناعه المحرم. الحال الثانية: أن يكون باذلًا وتقع المصالحة، كأن يقول: صالحني بخمسين عن المائة التي لك علي أو على نصف دارك ونحو هذا، فيه روايتان المشهور منهما وهو اختيار القاضي وابن عقيل وغيرهما، ومقتضى كلام الخرقي: أنه لا يصح، لأنه صالح عن بعض ماله ببعض. والثانية: يصح، لأن معنى الصلح للاتفاق والرضا، وقد حصل هذا من غير هضم للحق ولا امتناع من أداء الواجب، وحقيقة هذا أن المدعي رضي بترك بعض حقه وأخذ البعض فصار كما لو قال: أبرأتك من نصف المائة فأعطني نصفها، أو وهبتك نصف داري ونحو هذا، وهذا غير ممنوع منه بالاتفاق.
قال أبو البركات: وكذلك يخرج في قوله: أبرأتك من كذا على أن توفيني الباقي [1] . واعلم أن مقتضى كلام الخرقي - رحمه الله - أنه لا يسمي الصلح على الإقرار صلحًا، وكذلك ابن أبي موسى، وسماه القاضي وطائفة من أصحابه صلحًا. وصورته الصحيحة عندهم أن يعترف له بعين فيعارضه عنها. أو يهبه بعضها، أو بدين فيبرئه من بعضه ونحو ذلك. فيصح أن لم يكن بشرط. ولا امتناع من أداء الحق بدونه، قاله أبو محمد، والخلاف في التسمية.
(1) هذا هو الإبراء وهو أن يعترف له بدين في ذمته. فيقول: قد أبرأتك من نصفه، أو جزء معين منه، فأعطني ما بقي. فيصح إذا كانت البراءة مطلقة من غير شرط. قال أحمد: إذا كان للرجل على الرجل الذين ليس عند وفاء، فوضع عنه بعض حقه وأخذ منه الباقي، كان ذلك جائزًا لهما، ولو فعل قاض لم يكن عليه في ذلك إثم. (المغني والشرح الكبير: 5/ 17) .