ولو لم يكن ملكها لم تصح مصارفته، فظاهر احتجاجه إنما هو في الأجرة لأنها أحد العوضين فإذا ملكت ملك الأجر، وأيضًا فإن المؤجر يملك التصرف في هذه المنفعة كما يتصرف في العين، فإذا أجرها ملك المستأجر منها ما كان يملك المؤجر وإذا ملك المستأجر المنافع حين العقد ملك المؤجر جميع الأجرة إذًا لأنها أحد العوضين فيملك بما يملك به الآخر، إذ المعارضة مبناها المعادلة، فإذا ملك المستأجر المنفعة ملك المؤجر الأجرة.
واعلم أن الأجرة وإن ملكت بالعقد فإنها لا تستقر إلا بمضي المدة ولا يستحق تسليمها إلا بعد تسليم [المعقود عليه فإذا كانت على عين إلى مدة، وهو الذي ذكره الخرقي، ولا يجب تسليم الأجرة إلا بعد تسليم العين، وإن كانت على عمل في الذمة فلا يجب تسليم أجرته إلا بعد تسليم] [1] العمل وعلى هذا وردت النصوص، نحو قوله سبحانه وتعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [2] فإن الإرضاع عمل في الذفة، فإذا سلمته وجب إيتاؤها أجرتها.
وما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يقول الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يوفه أجره" [3] رواه أحمد والبخاري. وروى أيضًا في حديث له عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أنه يغفر لأمته في آخر ليلة من رمضان. قيل: يا رسول الله: أهي ليلة القدر؟ قال: لا. ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله" [4] رواه أحمد. فهذه النصوص ظاهرها أنها على عمل في الذمة.
(1) ما بين المعكوفين ساقط من النسخة"ب".
(2) الآية 6 من سورة الطلاق.
(3) أخرجه البخاري في البيوع (106) وفي الإجارة (10) ، وأخرجه ابن ماجه في الرهون (4) ، والإمام أحمد في 2/ 358.
(4) سبق تخريجه في كتاب الصوم.