النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. وفي البخاري أنه:"اغتسل قبل الإسلام"وإذًا الحديثان لم يتواردا على محل واحد، فاغتساله كان قبل إسلامه. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كان بعد الإسلام. وعن قيس بن عاصم أنه:"أسلم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر"رواه الخمسة [1] إلا ابن ماجه. وحسنه الترمذي. ولأنه لا يسلم غالبًا من جنابة. فأقيمت المظنة مقام الحقيقة كالنوم.
وتردد أبو بكر فوافق الأصحاب في التنبيه، وخالفهم في غيره فقال: يستحب ولا يجب. وأعرب أبو محمد في الكافي، فحكى ذلك رواية لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به في حديث معاذ، ولو وجب لأمر به، إذ هو أول الواجبات بعد الإسلام، ولأن ذلك يقع كثيرًا، وتتوفر الدواعي على نقله فلو وقع لاستفاض. وحديث أبي هريرة في إسناده مقال، ما على أنه قد يحمل على الاستحباب، وكذلك حديث قيس وقرينته ذكر السدر فيه جمعًا بين الأدلة. ويجاب بأنه إنما ذكر في حديث معاذ [أصول] [2] العبادات لا شرائطها. ولا نسلم عدم استفاضة ذلك، بل قضية ثمامة تقتضي استفاضته. وظاهر الأمر الوجوب، فعلى الأول إذا أجنب في حال كفره، ثم أسلم، تداخلًا، وأنيط الحكم بغسل الإسلام، وعلى قول أبي بكر يجب عليه الغسل للجنابة، وإن اغتسل في كفره لعدم صحة نيته.
وقد شمل كلام الخرقي المرتد، ومن لم يوجد منه جنابة، هو الأعرف فيهما، ومن اغتسل في حال كفره، وهو كذلك. وقد قيد ابن حمدان المسألة بالبالغ، والأكثرون أطلقوا، لكن قد يؤخذ من تعليلهم ما قاله، وقد توجه الإطلاق بأن المذهب صحة إسلام من لم يبلغ. ومقتضى كلامهم أن الغسل
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: 5/ 61، وأبي داود، كتاب الطهارة، باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل: 1/ 86، وانظر: تحفة الأشراف 8/ 290.
(2) في النسخة"ب": أول.