أعلم بكتاب الله ممن احتج بهذه الآية، هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأنزل على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، وهم أعلم فيما نزل. فقالوا: يتسرى العبد. ولكن في القياس ليس يقوم حد الملك، لأنه ليس خالصًا له دون السيد، فيقول بقولهم.
قال ابن سيرين: لا تزال على الطريق ما اتبعت الأثر.
فقد استدل أحمد - رحمه الله - بقول الصحابة وبعمل أهل الحجاز، وبين أن بقول الصحابة نعرف معنى القرآن، وبين أن ملكه ليس كملك الحر، وهذا الذي يفصل النزاع.
فالخرقي والقدماء يقولون: لا نثبت ملكًا مطلقًا، لكن ملكًا يبيح له التسري فقط لمصلحة راجحة، ولا باع في ذلك، إذ الموقوف عليه يملك الانتفاع دون نقل الملك في الأصل. وكذلك سيد أم الولد يملك الانتفاع بها دون البيع ونحوه. والشارع يثبت من الملك ما فيه مصلحة العباد، ويمنع ما فيه فسادهم، والعبد محتاج إلي النكاح، فالمصلحة تقتضي ثبوت ملك البضع له، وإلا فكون العبد يملك مطلقًا فيه إضرار بالسيد، ومنع العبد مطلقًا فيه إضرار به، فالعدل ثبوت قدر الحاجة. وفي الحقيقة الملك المطلق لله سبحانه وحده.
ثم إذا ثبت للعبد ملك النكاح وهو أشرف فملك التسري أولى، وغاية ما يقال إن إثبات ملك يحل الوطء دون غيره لا نظير له. فنقول: قد ثبت ذلك عن ابن عمر وابن عباس، ولا يعرف لهما مخالف. وإذن لا يحتاج إلى النظير ثم العبد لا نظير له في نفسه، إذ ليس هو مثل الحر ولا مثل البهيمة. فكذلك في أحكامه. انتهى.
وإذا جاز له التسري جاز له التسري بما شاء بإذن السيد كالحر.
تنبيه: نقل الجماعة عنه إذا أذن له سيده مرة لم يكن له الرجوع، فظاهر هذا أنه جعل الإذن في التسري مقتضيًا لملك البضع كالنكاح، فكما أنه ليس له الرجوع في النكاح إذا أذن له فكذلك في التسري. وهو يؤيد طريقة الخرقي ومن وافقه.