وقول الخرقي: ويأخذوا الدية، ظاهره وإن لم يرض الجاني، وهو يستدعي بيان أصل، وهو أن موجب العمد ما هو؟ عن أحمد ثلاث روايات.
إحداهن: وهو المذهب عند الأصحاب وتقدمت الإشارة إليه، موجبه أحد شيئين: القصاص أو الدية لقوله سبحانه: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [1] أوجب سبحانه الإتباع بالمعروف بمجرد العفو، وهو يشمل ما إذا عفى مطلقًا، وذلك فائدة أن الواجب أحد شيئين وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:"كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن الدية فيهم، فقال الله سبحانه لهذه الأمة {كتب عليكم القصاص في القتلى} الآية. {فمن عفي له من أخيه شيء} قال: فالعفو أن يقبل في العمد الدية" [2] مختصر رواه البخاري وغيره.
قال الزمخشري في قوله تعالى: {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} ."أهل التوراة كتب عليهم القصاص والدية، وخيرت هذه ا لأمة بين الثلاث: القصاص والدية والعفو"ونحوه قال البغوي، إلا أنه قال:"وأهل الإنجيل الدية".
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قتل له قتيل فهو بخير الناظرين: إما أن يقتل، وإما أن يفدى"متفق عليه. وعن أبي شريح الخزاعي - رضي الله عنه - قال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أصيب بدم أو خبل - والخبل: الجراح: فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: بين أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفو، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه"ثم تلا: {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذياب أليم} . رواه أحمد وأبو داود [3] ، وهذا نص.
(1) الآية 178 من سورة البقرة.
(2) أخرجه البخاري في التفسير (سورة 2: 23) وفي الديات (8) ، والنسائي في القسامة (28) .
(3) الحديث أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم: 2/ 447، 478، والبيهقي في السنن الكبري. كتاب الجنايات، باب الخيار في القصاص: 8/ 52.